في الوقت الذي تتواصل فيه الاحتجاجات في الداخل الإيراني، نتيجة تفاقم الأزمة الاقتصادية بالدرجة الأولى، تجد الدولة الإيرانية نفسها أمام معركة أخرى، هي معركة فرض السردية، القائمة على أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعملان على إخراج الاحتجاجات من طابعها السلمي إلى طابع العنف.
معركة السردية
وفي إطار الرد على اتهامات طهران بأنها تعمل على تأجيج الاحتجاجات المستمرة منذ نهاية الشهر الماضي، أكدت الولايات المتحدة، عبر المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، أن ما يحدث ليس إلا محاولة وهمية لصرف الأنظار عن التحديات الجسيمة التي يواجهها النظام الإيراني في الداخل.
وسبق ذلك اتهامات مباشرة وجهها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلف الاضطرابات الحالية في طهران، بغرض تحويل الاحتجاجات السلمية إلى أعمال عنف.
كذلك، اتهم المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران الولايات المتحدة، وكذلك إسرائيل، بتدبير الاضطرابات في البلاد، وهو ما وصفه بـ«التواطؤ بين النظامين» الساعيين إلى تقويض حياة الشعب الإيراني.
أمميًا، أكدت طهران في رسالة إلى الأمم المتحدة أن «الولايات المتحدة والنظام الإسرائيلي يواصلان التهديد والتشجيع على العنف وعدم الاستقرار، ويسعيان لتحويل الاحتجاجات السلمية إلى فوضى عنيفة».
واستغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاحتجاجات ليتوعد النظام الإيراني برد قاسٍ إذا ما أقدموا على قتل المتظاهرين، في أكثر من مرة.
وفي آخر تصريح له حول هذا الموضوع، أكد ترامب، أمس، أن إيران تمر بـ«ورطة كبيرة» في ظل الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها البلاد، محذرًا من أن أي لجوء من جانب القيادة الإيرانية إلى استخدام القوة ضد المتظاهرين سيقابل برد أمريكي.
ومن جانبها، اعترفت السلطات الإيرانية بحقوق المتظاهرين، لا سيما أن شرارة الاحتجاجات كانت نتيجة تفاقم الأزمة الاقتصادية، وهو ما أقرت به، بيد أنها رفضت أعمال العنف التي تخللت المظاهرات.
وأسفرت الاحتجاجات المستمرة منذ 28 ديسمبر 2025، والتي تخللتها نداءات بإسقاط النظام الإيراني، عن مقتل عشرات الأشخاص، بينهم أفراد أمن.
وبحسب ما أفادت منظمة «إيران هيومن رايتس»، ومقرها النرويج، فإن «51 متظاهرًا على الأقل، بينهم تسعة أطفال تحت سن 18 عامًا، قُتلوا وأصيب المئات غيرهم بجروح في الأيام الـ13 الأولى لموجة الاحتجاجات الجديدة في أنحاء إيران».
وفي هذا الإطار، أعرب قادة أوروبيون عن قلقهم البالغ حيال التقارير عن عنف قوات الأمن الإيرانية، مدينين بشدة قتل المحتجين، وحاثين السلطات الإيرانية على ممارسة ضبط النفس، حسب قولهم.
وحمل البيان الصادر عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، أمس الجمعة، السلطات الإيرانية مسؤولية حماية شعبها، وعليها ضمان حرية التعبير والتجمع السلمي دون خوف من الانتقام، على حد وصفه.
المظاهرات في إيران
واستمرت المظاهرات الحاشدة، الليلة الماضية، في مدن إيرانية كبرى، في إطار الحراك الشعبي المستمر المندد بتدهور الأوضاع الاقتصادية والمطالب — أحيانًا — بإسقاط النظام.
هذا؛ وانطلقت احتجاجات إيران نهاية الشهر الماضي بقيادة التجار احتجاجًا على ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع الاقتصادية، لتغلق العديد من المحلات التجارية وتنضم إليها شرائح أخرى من المجتمع، في ظل فقدان الريال الإيراني لأكثر من ثلث قيمته وارتفاع التضخم الذي أضعف القدرة الشرائية، ما جعل الأزمة الاقتصادية السبب الرئيسي وراء الموجة الاحتجاجية.
غير أنها لاحقًا أخذت أبعادًا سياسية، حيث طالب محتجون بالإصلاح السياسي وأحيانًا إسقاط نظام الحكم.