رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الآن وغدا موطن السؤال

10-1-2026 | 13:43

السيد نجم

طباعة
السيد نجم

لعل التاريخ العربي القريب من الزمن العثماني يكشف عن العديد من المتغيرات والتحولات، ولا مناص إلا بالتمسك بالوعي.. ليبقى السؤال: الوعي بماذا؟ لعله الوعي بحقائق الماضي والقفز فورًا إلى تصورات المستقبل.. ليولد السؤال الآخر: كيف بالوعي نعدّ للمستقبل المأمول؟

تُلاحظ أن الانتماء القومي يتراجع، مع صعود التحديات من آنٍ لآخر، وربما أهم هذه التحديات في الألفية الثالثة هو الواقع الذي انتهى بنا إلى سقوط بغداد في بدايته، وتمزيق غزة حاليًا..
إلا أن الحقيقة العلمية والتاريخية تشير إلى أن الوعي يظل مشروطًا بالجوهر الثقافي ومعرفة شروط السوق العالمية وعالم التقنية والعولمة.. ثم نبادر بالإمساك بحلم واعٍ منتبه للمستقبل.

مصطلح المستقبليات:

يعود مصطلح المستقبليات، أو حركة المستقبل، إلى الفترة بين عامي 1910 و1914م في إيطاليا، حيث وضع الكاتب "فيليبو مارينيتي" ما يسمى بـ"مانيفستو المستقبلية".. حيث تبنّى فيه التطلع إلى القيم العصرية الجديدة على حساب الأفكار القديمة، خاصة في السياسة وفي التقاليد الفنية التقليدية. سرعان ما تُرجم، كما انضم الفنانون التشكيليون والموسيقيون إليه.. (د. أحمد أبو زيد – عالم المعرفة – مستقبليات).

عبرت الحركة عن قطيعتهم مع الماضي لحساب المستقبل وقيم الحداثة والتغيير، وأعلنوا انتصارهم لقوة الإنسان في استخدامه للتكنولوجيا لترويض الطبيعة. ويُعتبر أدب الخيال العلمي أحد أبرز نماذج أدب المستقبليات، بما يتضمن من محاولات لتخيّل المستقبل.

لا يرجع الاهتمام بالمستقبليات إلى مجرد التعريف ببعض الاتجاهات الفكرية التي تشغل بال العلماء والمفكرين والكتاب إزاء المتغيرات الهائلة التي تميز الحضارة الإنسانية الآن، بل لكشف بعض الأوضاع المتردية في العالم العربي وواقعه الثقافي والاجتماعي بنظرة موضوعية.. بهدف تحقيق التقدم والقضاء على أسباب التخلف في هذا المجال أو ذاك، وفورًا الانطلاق إلى أفق المستقبل القريب والبعيد.

يُعتبر الكاتب الإنجليزي "اتش. جي. ويلز" رائد المستقبليات، بعد نشره كتاب "اكتشاف المستقبل"، والذي ما زال يُطبع حتى الآن. وقد تحدث في ندوة تالية حول التفريق بين عقلين أو تفكيرين.. الأول العقل الذي هو صفحة بيضاء تُسجل ما يحدث، وهو مع الغالبية.. والعقل الآخر هو المهموم بالمستقبل، وما الذي سيحدث في المستقبل.. وقد ربط العقل الأول بالعالم غير الغربي، وهو الذي يخشى التطور.. أما العقل الآخر الديناميكي فهو ما نسبه إلى الغرب.

المستقبل والعقل العربي:

هناك بعض الظواهر الواجب الانتباه إليها وتجاوزها أولًا.. منها "المفكرون الجدد مع القرن الجديد تغلب عليهم ثقافة القطيع"، حيث إن المفكرين في العقود الأخيرة غالبًا من موظفي الدولة، وينفذون سياستها، بينما المفكر المتبني لهموم الإنسان ومستقبله هو من يقف لنقد السياسات الجاهزة لدفع الأفكار الجديدة إلى الأمام. وهو ما نتج عنه ظاهرة أُطلق عليها "ثقافة القطيع".

ترى هل تقوم ثورة فكرية وعلمية تطمح إلى المستقبل الأفضل دون السعي من الآن لسقوط قيود التخلف العلمي والفكر الغيبي في بلادنا والعالم العربي؟

ربما ترجع تلك المعوقات إلى عدد من الأسباب، البعض يرجعها إلى الهيمنة الغربية، وقيود تداول المعلومات، مع احتكارهم للأبحاث الكبرى والمستقبلية.. كما أن ارتفاع ثمن التكلفة لتلك البحوث ربما سببًا أيضًا.. ومع ذلك فإن العمل البحثي لحل مشاكل الحياة اليومية مع توظيف التقنيات الجديدة يبدو مناسبًا للدول العربية جمعاء، وبذلك يتحقق بالثورة العلمية انقلابٌ في أساليب التفكير وأنماط الحياة وأنساق القيم وطرائق التعامل مع وقائع الحياة. وهو ما يعني أن يتحول التفكير العلمي إلى ثقافة سائدة بالمجتمع.

صورة العالم وصورتنا الآن:

يعيش العالم الآن مرحلة جديدة، ووصفها البعض بأنها نهاية التاريخ، ونقطة تحول في تاريخ الجنس البشري، تتميز بالفوضى الخلّاقة، نظرًا للمشاكل المتراكمة التي جدّت، وهو ما سيفرز عالمًا جديدًا مجهول الملامح، على الرغم مما تحقق من تقدم تكنولوجي هائل!

فلقد انتهى وانقضى عهد كل ما هو تقليدي في جميع الميادين في معظم المجتمعات.. وهو ما أثّر على غلبة العادات والتقاليد وعدّل منها، وقد أُرجع ذلك إلى وسائل الاتصال والإعلام الحديثة، مثل التلفزيون والإنترنت. ومع ذلك يرى البعض ومنهم "أنطوني جيدنز" عالم الاجتماع الإنجليزي، أننا في بدايات التغيير، وفي الطريق إلى المجتمع "الكوزموبوليتاني" أي المجتمع العالمي، بفعل العولمة وثورة الاتصالات والذكاء الاصطناعي.

سؤال حول بعض الظواهر المستقبلية..

.. هل الأقليات الثقافية مهددة بالاندثار؟

الجماعات الأقلية هي جماعة تختلف في تكوينها العرقي أو الديني أو اللغوي عن بقية سكان المجتمع الذي تعيش فيه. وقد بدأ الصراع مع تلك الجماعات مع بداية فكرة الدولة، وزاد في العقود الأخيرة مع "العولمة"، التي من شأن تأثيرها العمل في اتجاهين.. الأول يربط ويوفر سبل التشارك، بينما الآخر على العكس بسبب مقاومة المجموعات والأقليات وربما المجتمعات المختلفة نفسها، لتأكيد ذواتها ونفورها من التشارك الجامع. وهو ما يرصده المرء في عالمنا العربي وبعض مناطق آسيا.

لذلك في عام 2002م قررت الأمم المتحدة ضرورة مواجهة المشكلة، برعاية حقوق الإنسان، وأهمية الاندماج مع التمايز الثقافي.

هل عادة القراءة مهددة بالاندثار؟

يقينًا القراءة كعادة إنسانية منذ أن عرف الخط والحرف لم تندثر، قد تتبدل وسائل القراءة وتقنياتها وهو المتوقع مع التقدم التكنولوجي الرقمي الآن، وربما الدليل الهين القريب رواج انتشار سلسلة قصص الطفل "هاري بوتر"، فقد تم توزيع 325 مليون نسخة في العالم من السلسلة، مما دفع البعض للتأكيد على أن عادة القراءة لم تختفِ، وغير مُضارّة بالمتغيرات التكنولوجية المعاصرة.. ومع ذلك قال الكاتب الأمريكي "موتوكو ريتش" إن عدد الذين يقرأون من أجل المتعة الذهنية والراحة النفسية والمعرفة يتناقص، حتى بين قراء "هاري بوتر"! ومع ذلك وجدت ظاهرة القراءة كي تبقى، وتستحق كل الجهد والمال المبذول من أجلها، نظرًا للمردود الاجتماعي والثقافي والإنساني منها.

خاتمة:

تتنوع القضايا المستقبلية، مثل فكرة الثقافة الكوكبية نتيجة العولمة، وبروز العِرقية في المجتمعات كردٍّ معاكس للعولمة، واحتمال غياب القوميات.. وغيرها من القضايا المثيرة، والتي تفتح آفاقًا جديدة للتفكير في المستقبل.

أخبار الساعة