من الصعوبة بمكان التنبؤ بمستقبل العالم بعد مائة عام، بمعنى كيف سوف تكون تفاصيل الحياة اليومية بين شعوب العالم المتقدم والنامي. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب؛ منها أن التطور في التكنولوجيا من حولنا يحدث بسرعة كبيرة جدًا وفي جميع المجالات العسكرية والاقتصادية والصناعية، علاوة على مجالات الاتصال والابتكار. ونرى كيف أن الآلة والتطبيقات الذكية بدأت تحل محل الإنسان في العديد من المجالات.
وفي عام 1956 اعتمد عالم الحاسبات جون مكارثي على «اختبار تورينج» أو ما يُعرف بلعبة المحاكاة في تعريف الذكاء الاصطناعي، بأنه آلات تستطيع أن تؤدي المهمات المميزة للذكاء البشري. إلا أن الذكاء الاصطناعي بدأ في العقد الماضي يتجاوز الإنجاز البشري، حيث يتطور الذكاء الاصطناعي المعاصر ويتعلم وفقًا للظروف المتغيرة، وهو ما يرشحه إلى أن يلعب دورًا هامًا في العقد القادم. وبناءً على ما سبق، يمكن طرح بعض التصورات للمستقبل من خلال الحاضر وانطلاقًا مما نشاهده الآن من تطورات في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كما يلي:
الاقتصاد الرقمي:
بحلول أقل من مائة عام لن تكون هناك نقود ورقية على الإطلاق، بل نقود إلكترونية تنتقل من حساب إلى آخر. وسوف تختفي الوظائف التي تشمل النقل والتخزين، والتصنيع، والخدمات الروتينية، والترجمة والتدقيق، والمحاسبة، والتحليل، والسينما والمسرح، ليحل محلها مهندسو الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، ومصممو عوالم افتراضية، وتكنولوجيا الألعاب والمحاكاة. ووفقًا لبعض الدراسات سوف تتأثر نحو 30% من الوظائف عالميًا بالأتمتة بحلول عام 2030، خاصة في قطاعات النقل والتصنيع والخدمات الروتينية. ومن المتوقع أن تزيد وفرة الإنتاج بشكل كبير اعتمادًا على التحديث المستمر في الصناعة اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي.
الروبوتات:
سوف يشهد العالم استخدامات واسعة النطاق للروبوتات كبديل للجهد البشري في الوظائف المختلفة، في المصانع والمستشفيات والمدارس والجامعات ودور المسنين، بل وفي الجيوش والمعارك أيضًا، لتحل محل الإنسان في كثير من الأعمال، خاصة الخطرة منها. وأهم محاذير ذلك أن يصبح الروبوت صديقًا أو موظفًا بديلًا، أو ربما زوجًا أو زوجة بديلة! وهذا يُلقي بدوره عبئًا على الجوانب التشريعية والأخلاقية والاجتماعية المختلفة المرتبطة بهذا النوع من العلاقة الجديدة في تاريخ البشرية. وعلى أية حال، وانطلاقًا من واقعنا الآن، سوف يكون مستقبل الروبوتات في القرن القادم مزدهرًا ومنافسًا لعمل الإنسان.
فالروبوتات الصناعية، التي تستخدم أذرعها في خطوط الإنتاج، واللحام، والتجميع، والمناولة، وفي صناعات مثل السيارات والإلكترونيات بمختلف أنواعها والصناعات الثقيلة، سوف تتزايد في الكثافة وتصل إلى الدول النامية، وليس فقط الدول المتقدمة. أما الروبوتات المنزلية والترفيهية فسوف تُستخدم كرفقاء وأصدقاء في المنازل والمتاجر، خاصة مع تطور الذكاء الخاص بها وإمكانية التعلم وتطوير مهاراتها. كما سوف يزداد أيضًا بشكل كبير الاعتماد على الروبوتات التعليمية والخدمية التي تقدم الدعم للطلاب والأساتذة من خلال منصات رقمية، وروبوتات خدمة العملاء في المطاعم والفنادق، وتلك التي تُستخدم في الإجابة على الاستفسارات وتقديم الدعم الأكاديمي.
وسائل المواصلات والنقل:
من المتوقع لوسائل النقل والمواصلات أن تصبح ذاتية القيادة والحركة، تعمل بالكهرباء أو الطاقة المتجددة، كما سوف تنتشر القطارات عالية السرعة التي تستطيع السفر لمسافات طويلة بتكلفة زهيدة، وفعّالة، وصديقة للبيئة. وسوف يمكن التنقل بين قارات العالم في جزء من الساعة بواسطة الطائرات المدنية التي تتجاوز سرعتها سرعة الصوت، بل سوف تصبح الرحلات إلى الفضاء الخارجي، مثل القمر، عادية للغاية وفي متناول عدد كبير من الناس.
الطباعة الرقمية:
سوف تصبح الطباعة الرقمية أحد أعمدة الحياة والاقتصاد خلال العقود القادمة، حيث سوف تغيّر طريقة الإنتاج والاستهلاك بشكل جذري. ففي مجال الطعام سوف يتم إنتاج اللحوم وطباعتها بواسطة الطابعات الرقمية، كما سيتم طباعة مساحيق غذائية وبروتينات نباتية وخبز وحلويات وحليب إلى آخره، علاوة على طباعة الآلات والمعدات في المجالات المدنية والعسكرية.
في مجال الصحة والرعاية الصحية:
في المجال الطبي مثلًا سوف يكون من الطبيعي إنتاج الجلد والأنسجة وأعضاء كاملة عبر تقنيات مثل الطباعة الرقمية وغيرها، مما يعني تقليل قوائم انتظار زراعة الأعضاء، وزيادة الوعي الصحي والطبي.
حيث سوف يكون من المتاح إجراء العمليات الطبية بواسطة الروبوتات تحت إشراف طبي عن بُعد. كما أنه من المتوقع أن يرتفع متوسط العمر المتوقع لدى البشر بشكل كبير بسبب التقدم في علم الجينات.
كما سيصبح العلاج باستخدام تكنولوجيا النانو أمرًا منتشرًا، ليصبح العلاج على مستوى الخلية، وهو محاولة نسخ عمل بروتين معين داخل الخلية وتعويضه عند الضرورة حال حدوث نقص أو خلل بسبب عارض أو مرض ما فيها.
المدن والمنازل:
مدن المستقبل ذكية، الإنترنت متاح مجانًا دون توقف، الشوارع يتم تنظيفها بواسطة السيارات الذكية دون سائق، والخدمات إلكترونية متاحة لا تحتاج إلى الذهاب بعيدًا أو الوقوف في طابور الانتظار. أما المنازل فمن المتوقع أن تُخبر الثلاجة في المنزل السوبر ماركت بما ينقصها ومدة صلاحيته عبر تكنولوجيا تربط بينهما، فيرسل لها ما يتوافر لديه من سلع وخدمات، في انتظار أن توافق وتقوم بدفع ثمنها لتصل إليك في المنزل عن طريق السيارات ذاتية الحركة. وتشير بعض التوقعات إلى أن المنازل سوف تصبح ذاتية التنظيف، وتوفر بيئات متكاملة، مع توافر أجهزة استشعار تراقب صحة أفراد الأسرة على مدار الساعة.
استكشاف الفضاء:
بحلول عام 2126 سيكون استكشاف الفضاء قد وصل إلى مستوى قياسي، فسيتم تأسيس قواعد على سطح القمر وتنظيم زيارات له لقضاء العطلات، كما ستصبح الحياة على الكواكب الأخرى متاحة للأغنياء في مساكن ومستعمرات خاصة بهم، خاصة أن تكلفة وسرعة الوصول إلى الفضاء سوف تنخفض إلى نسبة كبيرة جدًا.
منصات الشبكات العالمية:
منصات الشبكات، كما هو معلوم، هي خدمات رقمية تجمع على صفحاتها مستخدمين بأعداد كبيرة من كافة أنحاء العالم، وقد يصل عدد مستخدميها إلى مئات الملايين، وربما المليارات. وقد تمكنت تلك المنصات من استقطاب أعداد كبيرة من المستخدمين، وأصبحت بعض منصات الشبكات العالمية جزءًا لا يتجزأ من حياة الأفراد، والخطاب السياسي، والمعاملات اليومية التجارية، ومنظومة عمل المؤسسات. ومن المتوقع أن تزداد قوة وسطوة تلك الشبكات، خاصة أنها تداخلت بشكل كبير، عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مع حياة البشر اليومية.
فيقول كتاب «عصر الذكاء الاصطناعي ومستقبلنا البشري» المنشور عام 2021 لمجموعة من المؤلفين هم: هنري كيسنجر، وإيريك شميت، ودانييل هتنلوكر: «أصبحنا نثق بمشاركة معلوماتنا مع منصات الشبكات، التي تتحكم فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ ولكننا نتردد إزاء مشاركتها مع أصدقائنا أو حكوماتنا؛ ومن الأمثلة على ذلك: مشاركة معلومات شاملة ومفصلة عن أماكن وجودنا، والأمور التي نبحث عنها ونتصفحها في شبكة الإنترنت». وهو الأمر الذي يمنح مشغلي تلك المنصات والمشرفين عليها نفوذًا اجتماعيًا وسياسيًا كبيرًا، ومن المتوقع أن يزداد نفوذ تلك المنصات والمشرفين عليها في توجيه الرأي العام وسلوك المستخدمين لتلك المنصات العالمية، خاصة أن اعتماد الأفراد على تلك المنصات المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي للتعبير عن أفكارهم وآرائهم، ومن أجل إتمام معاملاتهم التجارية والمالية والصحية، والحصول على احتياجاتهم من الطعام، وغير ذلك، سوف يعزز من أهمية وفعالية تلك المنصات ومن يقف خلفها لتحقيق أهدافهم في السيطرة على عقول ومشاعر وسلوك المشاركين والمستخدمين لتلك المنصات.
مخاطر متوقعة خاصة على دول العالم النامي:
هناك مجموعة من المخاطر المتوقعة، خاصة على دول العالم النامي، من التطورات شديدة السرعة التي يشهدها العالم، وتشاهدها دول العالم الثالث ولا تشارك فيها، ومنها ما يلي:
مستقبل هوية الإنسان:
الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا بلا هوية وبلا دين، وحدودها الأخلاقية ترتبط بمن يخترعونها ويسخرونها لتحقيق مصالحهم، لذلك ينبغي الحذر الشديد، خاصة من دول العالم الثالث التي تُعد مستهلكة وغير منتجة للتكنولوجيا. لذا ينبغي على رجال السياسة، ورجال الدين، والمسؤولين في الدول النامية المشاركة في المناقشات لتحديد معايير الشراكة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، ووضع التشريعات القانونية والاجتماعية والأخلاقية التي تحافظ على الهوية وتتمسك بقواعد الدين وتعاليمه، لأن الدول المتقدمة بدأت من الآن تتبنى سياسات وقيمًا تحد من تماسك الأسرة وتتناقض مع الفطرة السليمة والوعي بوجود خالق حكيم يدبر هذا الكون.
فكرة الهيمنة والاستحواذ:
من أخطر ما يمكن تصوره أن تظل الدول المتقدمة تتطور علميًا وتكنولوجيًا، خاصة مع استخدام الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، وعلى الجانب الآخر تظل الدول النامية تزداد انقسامًا وضعفًا، غارقة في الحروب والانفصال عن الدولة الأم، وتخضع لأجندات خارجية. إذا استمر الوضع على ما هو عليه فسوف تتحول الدول النامية إلى سوق مخلفات للدول المتقدمة، تُرسل إليها ما تقادم لديها من صناعات وتكنولوجيا. وبمعنى آخر، سوف تتزايد فجوة التنمية بين الشمال والجنوب؛ فالدول المتقدمة تسير بسرعة كبيرة جدًا تعجز معها الدول النامية عن ملاحقتها، وهذا واضح الآن بشكل كبير، ويشير إلى أن الفجوة سوف تزداد بين الطرفين بشكل أكبر مما هو عليه الآن.
وخلاصة القول هي أن التطورات القادمة خلال العقد القادم تحمل في طياتها تحديات وفرصًا ينبغي الاستعداد لها والاستفادة منها، بالعلم واليقين والمتابعة، من أجل تفادي التحديات وتقليل مخاطرها، والاستفادة من الفرص وتعظيمها.