رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

“رسالة من طيبة العليا: يوميات كاتب من عام 2126”

10-1-2026 | 10:46

ثروت الخرباوي خبير شئون الإسلام السياسى

طباعة
ثروت الخرباوي

السادة مجلة الهلال،

لم أكن أعرف، وأنا أهيئ آلة الزمن لإرسال هذه الرسالة، أن أكثر ما يؤرقني ليس تردد الموجة الزمنية ولا استقرار الحقول الكمومية الزمكانية، بل السؤال البسيط الذي حيَّر جيلي كله: إلى أي يد يجب أن أرسل هذا النص؟ ومن سيملك القدرة على استقباله؟
فالعالم في زمننا الحالي، عام 2126، بات يعرف أن الماضي لا يسمعنا بسهولة، وأن العقول القديمة — تلك التي عاشت قبل أن تتطور قدرات الاستقبال العصبي — لا يمكنها التقاط الرسائل الزمنية إلا على هيئة «شحنات فكرية» تتسرب فجأة إلى ذهن كاتب أو شاعر.
ولما كنت أريد أن تظل كلماتي حيّة في زمنكم، وأن تصل إلى عقول تعرف قيمة الأدب والمعرفة، اخترت — بعد تفكير طويل — مجلة الهلال تحديدًا، تلك المؤسسة العريقة التي امتدت من القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا، كما تمتد شجرة أصلها في الماضي وفروعها في المستقبل.
الهلال لم تكن مجرد مجلة في تاريخكم؛ كانت أشبه بـ«أرشيف الوعي العربي»، ديوانًا يلتقط ما يلمع في الفكر وما يخبو، وما زالت — بشكل يكاد يكون معجزة — تصدر حتى عام 2126، رغم العواصف السياسية وسقوط أنظمة ونهوض أنظمة، ورغم أن كثيرًا من الصحف والمجلات التي عرفتموها اندثرت أو تحولت إلى متاحف رقمية.
وقد اخترت الهلال لأنني أعرف أنها ستمنح هذه الرسالة — أو الرواية إن شئتم — فرصة للعيش. ستصل إلى أحدكم، وربما إلى أكثر منكم، على هيئة إلهام، أو حلم، أو خاطر عابر يقفز إلى ذهن كاتب وهو يتهيأ للنوم.
ولعلكم الآن، في عام 2026، تتساءلون: من أكون؟
اسمي يوسف الخرباوي، كاتب من مواليد القاهرة الجديدة بعد إعادة إعمارها الثالثة. أكتب لكم من عام 2126، من مدينة «طيبة العليا» التي بُنيت فوق مدينة الأقصر، حيث تمتزج المعابد القديمة بشبكات الضوء الكوانتي، ويجري الزمن هنا كما يجري النيل: لا يعود أبدًا إلى الخلف، لكنه يترك على ضفتيه ذاكرة قابلة للبقاء.
وأنا لم أبعث لكم بهذه الحكاية من قبيل العبث أو الغرابة، بل لأن ما عشناه نحن — بعد مائة عام من زمنكم — لم يأتِ بغتة، بل كان نبوءة كامنة في تاريخكم؛ إشارة صغيرة هنا، وشرارة هناك، حتى أصبح المستقبل الذي نعيشه اليوم أشبه بمرآة مشروخة تعكس ماضيكم، لكن بظلال وألوان أخرى.
في الصفحات التالية سأحكي لكم كيف أصبح شكل العالم، وكيف تغيرت الجغرافيا وتحولت الدول، وكيف صعدت أمم وانطفأت أخرى. سأكلمكم عن الموسيقى الجديدة، وعن الشعر الذي صار يُكتب بالضوء، وعن الرواية التي لم تعد تُقرأ بل تُعاش داخل العقل.
لكن مهلاً.
لكل حكاية بداية، وهذه كانت بدايتي معكم.
الآن أترك آلة الزمن تفتح ممرَّها اللامع، وأترك لكم البقية.
لم أكتب هذه الرواية لأقرّب لكم صورة المستقبل فحسب، بل لأمنحكم فرصة نادرة لفهم ما سيحدث بعد مائة عام من الآن. وربما — وهذا ما يبدو أغرب — لأقول لكم إن الكلمات التي تقرؤونها الآن لا تسافر في حقيقتها بالحبر، بل تعبر الزمن على هيئة شحنات فكرية، تتسرب إلى عقولكم كما يتسرب الضوء إلى غرفة لم تُفتح نوافذها منذ زمن طويل.
لا تتعجبوا… فهكذا يعمل السفر إلى الماضي.
الآلة التي بنيناها لا تستطيع دفع الأشياء إلى الوراء، لكنها تدفع الأفكار فقط. أما الجسد، فإنه لا يحتمل القفز عبر القرون، ومع ذلك يكفيني أن تصل إليكم هذه «الفكرة» كي أشعر أنني حققت معجزة صغيرة في هذا العالم الذي ضجَّ بالمعجزات.
لقد اكتشف علماؤنا أن الماضي لا يمتلك القدرة الكاملة على استقبال الرسائل؛ الزمن القديم — زمنكم — مُغلق مثل كتاب لم يكتمل بعد. لا يسمع كل العقول، ولا يستقبل كل الإشارات؛ بل يلتقط فقط ومضات خاطفة، شحنات خفيفة، تنزل في عقل شاعر أو كاتب أو مفكر، فيسميها أهل زمانكم إلهامًا، ويسميها العلماء عندنا «استقبالًا زمنيًا منخفض التردد». ولأنكم تسمونني «كاتبًا من المستقبل»، فسأحاول أن أكتب بطريقة يفهمها زمنكم دون أن تذوب المعاني في الطريق.
أحدّثكم الآن من مدينة تُدعى «طيبة–3»، وهي مدينة معلّقة على ارتفاع سبعمائة متر فوق سطح الأقصر. لا يصل إليها الإنسان إلا عبر ممرات ضوئية تصعد به كما تصعد الدعوة في ليل مستجاب. المدينة تُضيء نفسها بنفسها، وتتنفس أوكسجينًا نقيًا تستخلصه من الهواء الملوث تحتها. كل شيء فيها محمي بكبسولات من الذكاء الاصطناعي، لكنها رغم ذلك تشكو من شيء واحد: الوحدة.
كأن التكنولوجيا، كلما ازدهرت، ضيّقت الفجوة بين الأشياء، ووسّعت الفجوة بين الأرواح.
أجلس الآن في «دار الرواية المستقبلية»، تلك الدار التي تكتب لمستقبل لم يأتِ بعد، والغريب أنني أكتب فيها للماضي الذي انقضى وبات ذكرى. وهذا المكان ليس مكتبة تقليدية، بل فضاء تُعلَّق فيه القصص هائمة في الهواء. تخط الكلمات مساراتها المضيئة إذا مددت يدك، وتعود فتختبئ إن غفلت. الرواية هنا ليست كتابًا يُقرأ، بل عالمًا صغيرًا تُدخل فيه ذاتك؛ تلمس جدار غرفة البطل فتشعر بخشونته، وتسير في شوارع المدينة فتشم رائحتها، وتسمع همسات الشخصيات حتى لو ابتعدت عنها. ومع ذلك، رغم كل هذا الإبهار، ما زلنا نقرأ الكتب الورقية القديمة كما تقرؤون أنتم المصاحف والمخطوطات؛ نفتح الصفحات كأننا نفتح أبوابًا إلى زمن قد توقف عن السير.
الفنون في زمننا تغيرت، لكنها لم تتطهر من ألم الإنسان ودهشته. الشعر عاد بقوة غير متوقعة؛ يكتبه الناس ليعتذروا، ليحبوا، ليشهدوا على ما تبقى منهم في عالم تفكّر فيه الآلات أسرع مما يتنفسون. قد يكتب الشاعر هنا قصيدته مباشرة من عقله إلى الورق عبر رابط إلكتروني، لكن القصيدة تبقى قصيدة، دفقة غامضة لا تفهمها الروبوتات مهما بلغت من ذكاء. لقد جرّبنا أن نجعل الروبوت يكتب شعرًا عن الفقد والحب والموت والألم، فكتب قصيدة منطقية، جميلة في ظاهرها، لكنها بلا شقوق، بلا جراح، بلا تلك الارتجافة التي تصنع الشعر الحقيقي.
أما السينما فقد تحولت إلى أسفار. تدخل الفيلم كما يدخل عاشق في المغامرة. تلمس المطر، وتجلس داخل سيارة تهوي من جرف، وتسمع أنفاس البطل وهو يهرب من قدره. ومع ذلك سيدهشكم أن تعرفوا أن هناك صالات صغيرة تعرض أفلام القرن العشرين والواحد والعشرين، يأتيها الناس هربًا من هذا العالم الذي أصبح «مرئيًا أكثر من اللازم». الناس يبحثون دائمًا عن القليل من الغموض.
لكن الغموض الأكبر ليس في الفن، بل في السياسة التي تحكم عالمنا. لم تعد أمريكا القوة الوحيدة، ولا حتى الأولى؛ صعدت آسيا بكل قوتها، وتداخلت خرائط النفوذ حتى صار العالم يشبه رقعة شطرنج تتغير ملامحها كل ساعة. الصين والهند تحكمهما التكنولوجيا، أوروبا تحكمها الحيوية والحركة السريعة، وأمريكا تحكمها الرغبة القديمة في ألا تتخلى عن مركزها مهما كلفها الأمر. ولكن لكل إمبراطورية زمن؛ فقد انفصلت أربع ولايات عن أمريكا، واندمجت لتكون دولة واحدة اسمها «دولة اتحاد النافاجو والأباتشي العليا».
وأما العرب… فقد اختاروا أخيرًا أن يدخلوا السباق.
مصر عادت لتكون مركزًا للتعليم والمعرفة، بفضل مشروع ضخم جعل وادي النيل شريطًا من الجامعات والمختبرات. وذات يوم، قبل خمسين عامًا من زمني، خرج من القاهرة أول عقل عربي استطاع تصميم «ذكاء اصطناعي مرن» قادر على فهم النصوص القديمة وفق مآلات المستقبل، إذ فهم المصريون أن لكل زمن فهمًا خاصًا به، وأن الأفهام تتغير بتغير الزمان والمكان. هذا الاكتشاف أطلق نهضة معرفية بقيت تؤتي ثمارها حتى اليوم.
أعلم أنكم ستسألون: لماذا تكتب لنا يا يوسف، وما الذي تأمله من زمن لا يعرفك؟
والإجابة بسيطة: لأن البشر، مهما طال الزمن بهم، فإنهم كائنات اجتماعية. لذلك يحتاج الماضي إلى المستقبل، كما يحتاج الشيخ إلى طفولته القديمة. وأنتم — في زمنكم — تمتلكون شيئًا فقدناه نحن: البراءة الأولى للتساؤل. أنتم تقفون على عتبة المعرفة، ونحن نقف على حافتها الأخرى. ولولاكم لبقينا معلقين في الفراغ.
أرسل إليكم هذه الكلمات لأقول لكم إن المستقبل ليس مخيفًا كما تظنون، لكنه ليس بسيطًا أيضًا. ولذلك يجب أن تعرفوا أن له ثمنًا، وثمنه أن يظل الإنسان إنسانًا مهما تقدمت معارفه وعلومه.
قد نصنع آلات تفكر بدلًا منا، وقد نبني مدنًا لا تعرف الليل، وقد نصل إلى المريخ ونستخرج منه ماءً وهواءً، لكن كل ذلك بلا معنى إذا فقدنا القدرة على الحزن، على الحب، على الخيال… وعلى كتابة رواية جميلة تُقرأ بعد مائة عام.
ولأنني أكتب إليكم من زمن تغيرت فيه ألوان الخرائط وأصوات المدن، فلا بد أن أحدثكم عن الموسيقى والغناء؛ لأنهما الشيء الذي لم تهزمه التكنولوجيا ولم تهزمه الجغرافيا. في مصر، في عام 2126، لم تعد الموسيقى مجرد أنغام تُعزف، بل صارت كائنًا حيًا يتحرك ويكبر ويتحول. وفي زمننا استعاد المصريون روح الطرب القديم، لكنهم مزجوه بتقنيات لم تحلم بها تجارب القرن الحادي والعشرين؛ أصبحت الأصوات تُهذَّب عبر خوارزميات ذكية، لكن الخيال الشعبي ظل هو القائد.
في القاهرة يُقام مهرجان سنوي يسمونه «ليلة النيل الكبرى»، فيه يغني الشباب مقامات قديمة بطبقات صوتية مصممة لكل مستمع بحسب مزاجه. كل مستمع يسمع الأغنية نفسها، ولكن بأذن مختلفة عن آذان باقي المستمعين، كأن الطرب صار بيئة شخصية. ومع هذا تظل هناك أصوات بشرية لا تستطيع الآلة محاكاتها؛ أصوات تجرح، وتفرح، وتبكي، وتعلن أن مصر، مهما تغير الزمن، تظل بلدًا حين يغني أحد أبنائه يشعر العالم كله أنه عاد إلى بيته.
وإذا انتقلت معي قليلًا شرقًا وغربًا فستجد أن خرائطكم لم تعد خرائطنا. العراق، تلك البلاد التي حملت على كتفيها ثقل التاريخ، انقسمت بفعل الحروب والتحولات إلى أربع دول: دولة الرافدين الجنوبية، دولة آشور الوسطى، دولة كردستان الموسّعة، ودولة الموصل الحرة. السودان بدوره أصبح ثلاث دول: السودان النيلي، والسودان الصحراوي، ودولة رابعة على البحر الأحمر تُسمّى «بلاد التاكا».
أما ليبيا فقد استقرت منذ عام 2053 على دولتين: ليبيا الغربية، وليبيا الشرقية التي اندمجت لاحقًا في اتحاد أكبر أطلق عليه اسم «جنوب شرق ليبيا المتحدة العروبية»، وهي الدولة نفسها التي ستواجه منتخب مصر في نهائي بطولة العرب لكرة القدم بعد أيام.
ولا تندهشوا… فالعرب في ذلك الوقت كانوا قد أعادوا بناء بطولاتهم الرياضية كأنهم يعيدون العالم من جديد. منتخب مصر وصل إلى النهائي بعد أن هزم «مملكة إثيوبية المستعربة»، التي انضمت إلى جامعة الدول العربية منذ عشرة أعوام.
وسيلاعب المنتخب المصري دولة جنوب شرق ليبيا بعد انتصار الأخيرة على دولة «شمال سوريا اللاذقية العربية الكبرى»، وهي كيان تشكل بعد تحولات سياسية وثقافية عميقة جعلت الساحل الشمالي السوري مركزًا لنهضة فكرية وأدبية جديدة.
لكن السياسة لم تكن رياضية أبدًا. فقد اختفت جماعات التطرف والإسلام السياسي من الوجود تقريبًا. سقط تنظيم الإخوان سقوطًا مدويًا، ورغم أن سقوطه كان بطيئًا كذبول شجرة جُففت جذورها، فإن هذا التنظيم تفكك من داخله بعد أن استشرى الفساد فيه، فانقسم إلى عدة تنظيمات، ثم حاربت هذه التنظيمات نفسها، ثم تلاشى تأثيرها الديني، وفقدت جمهورها، فضلًا عن أن العالم تعلّم، عبر مائة سنة من الانهيارات والنهضات، أن الدين — في جوهره — يظل ثابتًا شامخًا، وأن الذي يتغير هو التدين؛ تلك الممارسة البشرية التي قد يضيّقها الجهل وتوسّعها المعرفة.
وأدرك الناس أن الفرق جوهري بين مقاصد الدين التي تفتح للبشر أبواب الرحمة والتفكر، وبين الأيديولوجيات المغلقة التي تزعم امتلاك الحقيقة وتتناقض مع روح أي إيمان صادق.
لقد صار واضحًا في زمننا — الذي هو مستقبل لكم — أننا لا نعادي الدين، بل نعادي الجمود الذي حوّل الدين في زمنكم وماضيكم إلى شعارات، والجهل الذي جعل الفتوى تلاحق العالم الذي تتبدل حقائقه قبل أن يفرغ الواعظ من خطبته.
ففي زمن أصبحت فيه المعلومة تجوب الأرض في جزء من الثانية، لم يعد بوسع الأيديولوجيا — أي أيديولوجيا — أن تحبس العقل في إطار واحد؛ فتحول أتباع تلك الجماعات إلى أفراد عادوا للحياة المدنية، وبعضهم انخرط في مشاريع معرفية وثقافية، وبعضهم ترك السياسة كلها، وكأن الزمن قرر أن يغلق هذا الملف إلى الأبد.
غير أن الصراع العربي–الإسرائيلي لم ينطفئ، بل تغير شكله. إسرائيل في عام 2126 لم تعد تعتمد على المدافع والطائرات، بل على أسلحة طاقية يسمّونها «الشحنات الكهربائية الممغنطة»، سلاح غير قاتل لكنه قادر على شلّ الإنسان لأيام، يتركه ملقى على الأرض كتمثال بلا روح. وقد استخدمت إسرائيل هذا السلاح في قصف غزة في حادثة هزّت الضمير العالمي.
فوقفت المدن العربية من الخليج إلى المحيط في احتجاجات ضخمة، وجموع تحمل رايات مكتوبًا عليها: «لا تُصمتوا الجسد… الجسد ذاكرة الأرض». كانت لحظة نادرة اتحد فيها العرب كما لم يفعلوا منذ قرون.
ومع ذلك… كانت غزة تفاجئ العالم بطريقتها الخاصة في مواجهة الألم. ففي الوقت الذي كانت فيه الشحنات الإسرائيلية تُسقط الناس على الأرض كأوراق شجر، كان ملعب صغير في خان يونس يشتعل بالهتاف.
منتخب فلسطين تأهّل، للمرة الأولى في التاريخ، إلى نهائيات كأس العالم لكرة القدم.
لم يكن أحد في العالم يفهم كيف يستطيع أهل غزة أن يحتفلوا بينما أجسادهم ترتجف من أثر القصف الكهربائي. لكن الحقيقة أن الناس هناك تعلموا درسًا لم يتعلمه غيرهم: يمكن للجسد أن يُشلّ… لكن الروح لا تُقصف.
خرج طفل يحمل علم فلسطين بيد مرتعشة، وصعد فوق كتلة ركام، وصرخ صرخة هزّت العالم كله:
«سنلعب… حتى لو لعبنا بلا أرجل».
وفي تلك اللحظة تحديدًا، فهمتُ أنا — يوسف الخرباوي — لماذا نجح الماضي في استقبال الرسائل القادمة من المستقبل من خلال مجلة الهلال.
لأن الشعوب، مهما سقطت أو انقسمت أو تشظّت، تحتاج دائمًا أن ترى صورة لنفسها كما ستكون، لا كما هي.
ولأن المستقبل، بكل ما يحمله من فوضى ومعجزات، لا يكتمل إلا حين يعود إلى الماضي ليقول له:
«لا تزال هناك فرصة… لا يزال هناك ضوء».
وها أنا أرسل إليكم هذا الضوء، على هيئة كلمات، واثقًا أنها ستجد عقلًا قادرًا على الاستقبال… ويسميها إلهامًا.
إن كنتم قد وصلتم إلى نهاية رسالتي، فهذا يعني أن الإلهام قد نجح، وأن شحنات أفكاري عبرت إليكم كما تعبر نسمة بين بابين مغلقين.
وإذا شعر أحدكم أن هذه الكلمات قد جاءت إلى ذهنه فجأة، دون سبب واضح، فليعلم أنه كان مستقبِلًا جيدًا… وأن الزمن أحيانًا يحب أن يداعب الزمن الآخر.
تحياتي من عام 2126،
يوسف مراد الخرباوي
كاتبٌ يكتب من المستقبل… ويرسل إلى الماضي