رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

أول رئيس وزراء منتخب للكونغو.. من هو باتريس لومومبا؟

8-1-2026 | 11:13

باتريس لومومبا

طباعة
أماني محمد

في بطولة كأس الأمم الأفريقية، ظهر أحد مشجعي منتخب الكونغو بحالة مميزة في المدرجات مرتديًا زيًا يعود لحقبة الستينيات بوقفة مميزة، في تجسيد وإعادة إحياء لرمز الكونغو باتريس لومومبا، والذي يعد أبرز رموز الحرية في البلاد وكان أول رئيس وزراء لها بعد استقلالها عن بلجيكا، رغم أن فترة رئاسته لم تدم طويلا ليتعرض للاعتقال والقتل والتنكيل.

 

من هو باتريس لومومبا؟

ينتمي لومومبا إلى عرقية تيتيلا، وُلد في 2 يوليو 1925 في كاتاكو-كومبي، في مقاطعة سونكورو التابعة لإقليم كاساي، ونشأ في بيئة أكاديمية، حيث التحق بمدرسة تبشيرية بروتستانتية وأخرى كاثوليكية، ليصبح جزءًا من النخبة المثقفة المعروفة باسم "إيفولويه".

ساهم لومومبا في الصحافة الكونغولية من خلال القصائد والكتابات الأخرى، وتولى العديد من الوظائف حيث عمل كاتب بريد في كينشاسا ومحاسباً في كيسانغاني، وترأس نقابة عمالية لموظفي الحكومة، وكان ناشطاً في الحزب الليبرالي البلجيكي، وفي عام ١٩٥٨، أسس الحركة الوطنية الكونغولية. أول حزب سياسي كونغولي على مستوى البلاد.

وفي ديسمبر من العام نفسه، دُعي إلى أول مؤتمر شعوب عموم أفريقيا في أكرا، غانا، الذي نظمه كوامي نكروما، وهناك، التقى بقوميين ووحدويين أفارقة من مختلف الدول الأفريقية، وانضم إلى المنظمة الدائمة التي أنشأها المؤتمر وانضم إلى المنظمة الدائمة التي أنشأها المؤتمر. واتخذت رؤيته ولغته، المستوحاة من أهداف الوحدة الأفريقية، طابع القومية.

ومع ازدياد الحماس القومي، أعلنت الحكومة البلجيكية برنامجًا يهدف إلى تحقيق استقلال الكونغو، بدءًا بانتخابات محلية في ديسمبر 1959، واعتبر القوميون هذا البرنامج مؤامرة لتنصيب عملاء قبل الاستقلال، وأعلنوا مقاطعة الانتخابات، وردت السلطات البلجيكية بالقمع، وفي 30 أكتوبر وقعت اشتباكات في ستانليفيل أسفرت عن مقتل 30 شخصًا، وسُجن لومومبا بتهمة التحريض على الشغب، وبعدها قرر المؤتمر الوطني الكونغولي تغيير تكتيكاته، فدخل الانتخابات، وحقق فوزًا ساحقًا في ستانليفيل (90% من الأصوات).

في يناير 1960، عقدت الحكومة البلجيكية مؤتمرًا في بروكسل ضم جميع الأحزاب الكونغولية لمناقشة التغيير السياسي، لكن المؤتمر الوطني الكونغولي رفض المشاركة دون لومومبا، حيث أُطلق سراح لومومبا من السجن ونُقل جوًا إلى بروكسل، اتفق المؤتمر على موعد الاستقلال في 30 يونيو، مع إجراء انتخابات وطنية في مايو، وحقق المؤتمر الوطني الكونغولي تقدمًا كبيرًا في الانتخابات، وبرز لومومبا كزعيم سياسي قومي في الكونغو، وكُلِّف بتشكيل أول حكومة، وهو ما فعله في 24 يونيو 1960.

خطابه في يوم الاستقلال

ولا تزال أبرز مشاهد لومومبا التاريخية، هي خطابه في يوم الاستقلال، في ٣٠ يونيو ١٩٦٠، خلال احتفالات استقلال الكونغو، وحينها وقف الملك بودوان ملك بلجيكا حفيد الملك ليوبولد الثاني، الذي مثّلت فظائعه في الكونغو أبشع فصول التاريخ الاستعماري الأوروبي، يلقي خطابًا أشاد فيه بإنجازات سلفه المروع، فيما ردّ جوزيف كاسا فوبو، أول رئيس للكونغو، باحترام على تصريحات الملك البشعة، إلا أن لومومبا تدخل بخطاب إدانة لاذعة للاستعمار البلجيكي.

وقال: "لقد عانينا من المفارقات والإهانات والضربات، التي اضطررنا لتحمّلها صباحًا ومساءً لأننا سود"، وأشعل خطاب لومومبا نفوس الكونغوليين المنهكة بشعور من السخط على ماضيهم الاستعماري، وأصبح بين ليلة وضحاها الزعيم الوطني الحقيقي.

لكن بعد خمسة أيام من الاستقلال، تمرّدت قوات الجيش الكونغولي الذي لم يكن فيه ضابط أفريقي واحد، وطردت ضباطها البلجيكيين، وأجبروا البلجيكيين على الفرار من البلاد وكانت النتيجة فوضى عارمة، فيما أرسل البلجيكيون قوات مظلية، ظاهريًا لحماية السكان البيض المتبقين، ولكنهم حاولوا إعادة فرض الحكم البلجيكي. وتبع ذلك سلسلة من المعارك المضطربة في معظم المدن الرئيسية، وبعد عشرة أيام فقط من الاستقلال، تفاقمت الفوضى بانفصال كاتانغا، أغنى مقاطعات الكونغو، بتواطؤ بلجيكي.

لكن لم يستمر لومومبا في المنصب سوى أشهر حتى سبتمبر من العام نفسه، حيث أُجبر على ترك منصبه، ثم أُلقي القبض عليه من قبل السلطات حينها بمساعدة مرتزقة بلجيكيين، ناشدت الكونغو الأمم المتحدة طرد القوات البلجيكية ومساعدتها على استعادة النظام الداخلي، وبصفته رئيسًا للوزراء، بذل لومومبا ما في وسعه لتصحيح الوضع.

في الخامس من سبتمبر، أقال الرئيس كاسافوبو لومومبا، لكنه طعن فورًا في شرعية هذه الخطوة؛ ونتيجةً لهذا الخلاف، ظهرت مجموعتان تدعيان أحقيتهما في الحكم المركزي، وتولى قائد الجيش الكونغولي، العقيد جوزيف موبوتو السلطة، وفي نوفمبر، اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بشرعية حكومة كاسافوبو، وانقسمت الدول الأفريقية المستقلة انقسامًا حادًا حول هذه القضية.

في غضون ذلك، في أكتوبر، وُضع لومومبا رهن الإقامة الجبرية في ليوبولدفيل، تحت حراسة قوات موبوتو وقوات الأمم المتحدة، بعد أن قررت الجمعية العامة الاعتراف بحكومة كاسافوبو، فرّ لومومبا من الإقامة الجبرية وحاول السفر إلى ستانليفيل، حيث كان أنصاره يسيطرون على المنطقة، إلا أن قوات موبوتو ألقت القبض عليه في 2 ديسمبر. احتُجز لومومبا في البداية في معسكر عسكري لكن المخاوف من تعاطف الجنود هناك معه دفعت السلطات البلجيكية والكونغولية والكاتانغية إلى ترتيب نقله إلى موقع آخر اعتبرته أكثر أمانًا.

في 17 يناير 1961، نُقل لومومبا ورفيقاه، جوزيف أوكيتو وموريس مبولو، جوًا إلى إليزابيثفيل (لوبومباشي حاليًا)، حيث سُلموا إلى النظام الانفصالي في كاتانغا ومستشاريه البلجيكيين، وتعرضوا للضرب على أيدي الجنود المرافقين لهم أثناء الرحلة، وتعرضوا للضرب مجددًا فور وصولهم إلى كاتانغا، وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، أُعدم لومومبا وأوكيتو ومبولو رميًا بالرصاص تحت قيادة بلجيكية.

ورغم أن جثثهم دُفنت في البداية في قبور ضحلة، إلا أنها نُبشت لاحقًا بتوجيه من ضباط بلجيكيين، وقُطعت إلى أشلاء، ثم أُذيبت في حمض أو أُحرقت ولم يتبقى منه سوى أسنانه، وامتنعت حكومة كاتانغا عن الإعلان الرسمي عن وفاته حتى 13 فبراير 1961، ثم ادعت أن لومومبا هرب من قبضتها وعثر عليه القرويون الذين قتلوه، وأثارت وفاته فضيحة في جميع أنحاء أفريقيا وخارجها.

واعترف مأمور الشرطة البلجيكي، جيرار سوتي، الذي أشرف على عملية التخلص من رفات لومومبا، بأنه أخذ أحد أسنانه، فقا إنه أخذ سن ثان واثنين من أصابع اليدين من الجثة، لكن لم يتم العثور عليها، حيث تم مؤخرا إعادة السن إلى عائلة لومومبا في احتفال رسمي أقيم في بروكسل، وفي عام 2002، قدمت بلجيكا اعتذارًا رسميًا عن دورها في الإعدام، مُعترفةً بـ"المسؤولية الأخلاقية"، وفي عام 2022، أعادت أسنان لومومبا إلى عائلته.

وأعاد مشجع منتخب الكونغو إحياء سيرة لومومبا، وكان ظهوره مميزًا ثابتًا بلا حراك، رافعًا ذراعه طوال التسعين دقيقة، في مدرجات المشجعين خلال مباريات منتخب بلاده قبل أن يغادر البطولة بعد خسارته أمام الجزائر، في مشهد أثار إعجاب المشجعين لتخليد بطولة وذكرى الزعيم الراحل.

الاكثر قراءة