من ضفاف النيل حيث يولد الطين، وبين أيدى حرفيين توارثوا المهنة جيلًا بعد جيل، تتشكّل حكاية فُخار أسيوط؛ كواحدة من أقدم الصناعات التى ما زالت تنبض بالحياة فى قلب الصعيد. حرفة لا تكتفى بتحويل التراب إلى أوانٍ، بل تصوغ ذاكرة المكان وروح الإنسان، وتقاوم بصمت زحف العصر الحديث، وسط تحديات اقتصادية وتسويقية تهدد استمرارها. بين نار الأفران وقلق المستقبل، يظل فُخار أسيوط شاهدًا على تراث يبحث عن فرص جديدة للبقاء والتجدد.
وترجع صناعة الفُخار فى صعيد مصر ومنها أسيوط إلى العصور القديمة منذ آلاف السنين، كما يقول الدكتور وجدى نخلة، أستاذ الأشغال الفنية والتراث الشعبى المتفرغ، عميد كلية التربية النوعية بجامعة أسيوط سابقًا، حيث اعتمد المصرى القديم على الفُخار فى الحياة اليومية، والتى تتمثل فى الأوانى وهي، الزير، الجِرار، القُلَّة، البراد الفُخاري، الطاجن، الأطباق، الكَانون الفُخاري، الفَازات، والأشكال الفنية، واستمرت الحرفة عَبر العصور الإسلامية والحديثة، مع التطور فى الشكل والزخرفة وطرق الحرق، والتى هى العنصر الأساسى فى صناعة الفُخار.
ويوضح أن فُخار محافظة أسيوط يتميز بعدد من الخصائص التى تمنحه مكانة مميزة بين منتجات الفُخار فى مصر كلها، وهى جودة الخامة، حيث يُصنع الفُخار من طين عالى النقاء، والذى يمتاز بالتماسك والنعومة، مما يُسهل عملية التشكيل، والمتانة العالية، حيث يتمتع الفُخار الأسيوطى بقدرة كبيرة على تَحمُل الاستخدام اليومي، نظرًا لصلابته بعد الحرق، علاوة على كفاءة تبريد المياه، حيث يشتهر «الزير الأسيوطي» بقدرته الفائقة على تبريد المياه اعتمادًا على المسامية الدقيقة للطين، مما يجعله من أفضل أنواع الزير فى مصر.
كما أن الطابع التُراثى والأصالة لهما دور هام، حيث يتسم بتصميمات تقليدية تعكس الموروث الثقافى للصعيد، مع الحفاظ على اللمسات اليدوية والفنون الزخرفية المتوارثة عبر الأجيال، كذلك تنوع المُنتجات، حيث تُعد منتجات الفُخار الأسيوطى ذات سعر مناسب مقارنة بجودتها العالية، مما يجعلها خيارًا اقتصاديًا للمستهلك، والاستدامة البيئية.
مراحل صناعة الفخار
يشير «د. نخلة» إلى انتشار ورش صناعة الفُخار فى عدة قرى ومناطق، من أبرزها، قرى غرب أسيوط وهى درنكة، منقباد، وبعض الورش على أطراف مركزى القوصية، البداري، علاوة على أن الحرفة تتركز غالبًا فى المناطق الريفية حيث يتوفر الطين الزراعى المناسب.
ويشرح أن تلك الصناعة تعتمد فى المقام الأول على الخامات المحلية، كالطين الأسيوطي، وهو طين زراعى يُستخرج من ضفاف النيل ويُعرف بجودته، الماء وذلك لخلط الطين وتشكيله، الرمل من أجل أن يُضاف للتحكم فى تماسك العجينة، القش أو نشارة الخشب فى بعض الأحيان ليتم استخدامه أثناء عملية الحرق التقليدية، وفى الوقت الحالى يتم استخدام أنابيب الغاز للتحكم فى درجة الحرارة.
ويتحدث «د. نخلة» عن مراحل صناعة الفُخار الأسيوطي؛ إذ تتمثل المرحلة الأولى فى تحضير الطين، حيث يُنقّى من الشوائب ويُخلط بالماء ويُعجن حتى يصبح جاهزًا للتشكيل، ثم التشكيل على الدولاب، ويستخدم الحرفى «الدولاب» أى عجلة الفخار لتشكيل الأوانى مثل الجِرار، الزير، الفازات، ثم مرحلة التجفيف، حيث تُترك القطع لتجف طبيعيًا تحت الشمس من يوم إلى عدة أيام حسب الحجم، ومرحلة الزخرفة، قد تُضاف زخارف بسيطة بالنقش أو التلوين الترابي، ثم المرحلة الأخيرة الحرق، ويتم ذلك فى أفران تقليدية من الطوب أو أفران حديثة، ويُعدّ أهم مرحلة لصلابة المنتج، ويتم الحرق على مرحلتين، حرق أوّلى على حرارة منخفضة للتجفيف، وحرق نهائى على حرارة أعلى لزيادة الصلابة.
بين الماضى والحاضر
تغيرت استخدامات الفُخار بين الماضى والحاضر، وفقا لدكتور «نخلة»، فقديمًا كان يُستخدم فى الشرب، الطهي، وتخزين الغلال، والآن أصبح جزءًا من الديكور، والتصاميم العصرية، والتى أصبحت مطلوبة فى بعض ورش أسيوط، والتى بدأت تتعاون مع مصممين شباب لإنتاج قطع ديكورية حديثة مع لمسة صعيدية، تُعبر عن المجتمع الأسيوطي.
ويوجد جانب اقتصادى كبير لتلك الصناعة، من خلال توفير مصدر رزق لعدد كبير من الأسر والحرفيين فى أسيوط، علاوة على ذلك تعتمد الورش الصغيرة على الإنتاج اليدوى دون آلات معقدة، وتُباع المنتجات محليًا ويُستهلك جزء كبير منها داخل الصعيد، كما أن الفخار الأسيوطى يُباع فى المناسبات، فى مولد السيدة العذراء بدرنكة، تُباع بعض القطع الفخارية كهدايا للزوار، وبعض الفازات الفخارية تُستخدم فى عروض التراث بالمراكز الثقافية فى أسيوط.
التحديات التى تواجه الفُخار الأسيوطي، أمر آخر يوضحه «د. نخلة»، منها ارتفاع أسعار الخامات والوقود المستخدم فى الحرق، ضعف التسويق وعدم وجود معارض دائمة للحرف التقليدية، قلة الأيدى العاملة الشابة بسبب توجه معظم الشباب لوظائف أخرى، ضعف الدعم للحرف التراثية مقارنةً بحرف أخرى، كما أن الحرفة تواجه منافسة من المنتجات البلاستيكية والمعدنية، مما جعل الإنتاج ينخفض نسبيًا مقارنةً بالماضي. وتتمثل فُرص تطوير الفُخار، فى إنشاء ورش تعليمية لتدريب الشباب، وفتح أسواق جديدة عبر الإنترنت ومنصات البيع الإلكتروني، وإدخال تصميمات عصرية مع الحفاظ على الطابع التراثي، وتوفير تمويل صغير للحرفيين لتطوير الأفران وطرق الإنتاج.