يحل عيد الميلاد المجيد هذا العام فى ظل عالمٍ يزداد احتياجًا إلى السلام والطمأنينة، وسط أزمات إنسانية وتحديات اجتماعية متلاحقة، وفى هذه المناسبة الروحية العميقة، كان لنا هذا الحوار مع الأنبا باخوم، النائب البطريركى لشؤون الإيبارشية البطريركية للأقباط الكاثوليك، للحديث عن المعانى الروحية لعيد الميلاد، ورسائله الإنسانية، ودور الكنيسة فى ترسيخ قيم المحبة والتعايش، خاصة فى ظل ما يشهده المجتمع من متغيرات.
فى البداية أخبرنا عن أهمية عيد الميلاد بالنسبة للأقباط؟
عيد الميلاد بالنسبة لنا ليس مناسبة دينية عابرة، بل هو الجذر الأول لكل الرجاء فى حياتنا، نحن نحتفل بلحظة دخل فيها المسيح تاريخ البشر لا كقاضٍ أو مالك سلطان، بل كطفل وديع فى مزود فقير فى هذا اليوم ندرك أنّ قيمة الإنسان عند الله ليست مرتبطة بمقامه ولا بقوته، بل بقلبه ورغبته فى الاستقبال. الميلاد يعيد تعريف علاقتنا بالله ليس إلهًا بعيدًا فى السماء، بل إله يسكن بيننا ويشاركنا الحياة اليومية بأفراحها وآلامها، أما على مستوى الحياة الروحية، فالعيد فرصة لإعادة ترتيب الداخل، لتحرير القلب من الغضب والمقارنات وإعادة اكتشاف معنى المحبة.
فى ظل انتشار الأمراض المعدية.. هل يجب تغيير طريقة التناول من الكأس الواحدة؟
السؤال مشروع وحاضر، لأنه يمسّ جوهر سرّ نعيشه بإيمان وحكمة معًا، من الناحية اللاهوتية، نحن نتناول جسد المسيح ودمه كسر خلاص، وليس مجرد خبز وخمر قد ينقل عدوى لكن من ناحية الرعاية المسؤولة، الكنيسة أمٌّ لأبنائها، والأم لا تكتفى بحبهم فقط بل تحميهم أيضًا، لذلك الحوار حول طرق التناول لا ينتقص من قداسته، بل يفتح بابًا للتوفيق بين الإيمان والعقل وقد تختلف الآراء، لكن ما نتمناه كشباب هو نقاش بروح ثقة فى الله واحترام للعلم، فإن وُجدت حلول رعوية مستقبلًا فهى ليست هدمًا للإيمان، بل تأكيد أن الكنيسة تهتم بأجساد أبنائها كما تهتم بأرواحهم، وبسبب الظروف قد تضطر الكنيسة إلى تغيير طريقة التناول مثلما حدث وقت جائحة كورونا.
ما طقوس يومك فى صوم الميلاد وكيف تقضى يوم العيد وعشيته؟
الصوم بالنسبة لى ليس مجرد انقطاع عن الطعام، بل انفتاح أعمق على الله، فى صوم الميلاد أبدأ يومى بالقداس، وبصلاة أطلب فيها قلبًا نقيًّا وقوة لأعيش المحبة فى التفاصيل الصغيرة، وأخصص وقتًا لقراءة روحية، فأشعر أنها تغيّر طعم اليوم، أمّا عشية العيد فالأجواء تختلف، الكنيسة مزيّنة، الترانيم تملأ المكان، وكأن السماء تقترب من الأرض، وفى القداس أشعر أن كل تعب العام يذوب أمام الطفل الإلهى.
هل تختلف الكنائس الكاثوليكية السبع فى طقوسها الاحتفالية؟
نعم.. بين الكنائس الكاثوليكية تنوّع جميل يشبه اختلاف ملامح الوجوه داخل العائلة الواحدة، ومع ذلك نتحد جميعًا فى الإيمان بسر التجسد، اختلافاتنا لا تفصلنا بل تثرى جسد المسيح الواحد فبدل أن نرى التنوّع فرقًا، نراه نعمة تجعل الكنيسة كحديقة متعددة الزهر والألوان، نحن لسنا كنائس متباعدة بل عائلة واحدة بسبع نَفَسَات ونبع إيمان واحد، الاختلاف هنا ليس انقسامًا بل امتداد حياة، مثل نهر يتفرّع لكن مصدره واحد، هذا التنوّع يعلّمنا أن الله لا يمرّر نعمته بشكل واحد فقط، بل يسمح لها أن تتجلّى بأشكال متعدّدة تعكس اتساع قلبه وغناه، الكنيسة تشبه حديقة كبيرة، فيها زهرٌ قبطى وسريانى ولاتينى وكلدانى ومارونى.. ومع كل اختلاف فى اللون والرائحة، يظلّ الجذر واحدًا: المسيح الحى.
بأى طقس تقيم صلاة عيد الميلاد.. وهل تختلف الصلوات فى مصر عن كنائس روما؟
أصلى بالطقس القبطى الكاثوليكى، الاختلاف بين مصر وروما يكون فى اللحن والترتيب وبعض القراءات، لكنه اختلاف شكلى لا يمس جوهر العيد، الرسالة واحدة: التجسد، الخلاص، نور جاء إلى العالم، فحتى لو اختلف اللحن، يبقى الطفل فى المزود هو نفسه، وقلوب المؤمنين تتوحّد رغم تعدد الطقوس.
إلى مَن توجه أول رسالة تهنئة بالعيد.. وعلى ماذا يحتوى نصها؟
رسالتى هى إلى كل أبناء الوطن الحبيب أكتب لهم قائلًا: يكن هذا العيد ولادة جديدة للمحبة، ولتسكن فى قلوبنا فتصنع سلامًا لا يزول.
هل تمنيت توحيد موعد عيد الميلاد.. وهل هناك جهود مازالت تبذل من اجل ذلك؟
الكل يتمنى أن نرسم سويًا وفى نفس الوقت، «المجد لله فى الأعالى»! ما أجمل أن يكون فرح الميلاد مشتركًا وموحدًا، هناك حوارات ومساعٍ حقيقية بين الكنائس فى هذا المجال، والوحدة ليست مجرد أمنية بل مسار، وتقديم الوحدة الروحية لا تعنى إلغاء الاختلاف، بل جعله جسرًا بدل أن يكون حاجزًا.
ما رايكم فى الإعلان عن تقنين أوضاع الكنائس الكاثوليكية مع الاحتفالات بعيد الميلاد من كل عام؟
أراه خطوة تحمل اعترافًا واحترامًا للمواطنة، الكنيسة ليست مبنى فقط، بل بيت صلاة وخدمة وتربية حين تُقنّن أوضاعها يصبح حضورها أكثر استقرارًا، وخدمتها أوسع، جميل أن يتزامن القرار مع الميلاد، فهو رسالة دعم وتقدير.. وفى الختام أتقدم بخالص التهنئة لكل شعبنا الحبيب، تحت قيادة فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسى.