رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

حين تتجدّد القلوب وتصنع الأوطان أملها


7-1-2026 | 19:02

.

طباعة
بقلـم: نيافة الأنبا عمانوئيل

بمناسبة عيد الميلاد المجيد وحلول العام الجديد، وانتهاء عام آخر، تتجدّد داخل الإنسان الآمال والطّموحات الموجّهة نحو مُستقبلٍ أفضل وغدٍ مُشرق، يحصد فيه الإنسان ثمار مجهوداته طوال الفترة الماضية؛ إذ تُقدّم هذه الفترة فرصة مميزة للإنسان يقوم فيها بإعادة قراءة حياته مرّةً أخرى، على ضوء ما تعلّمه ومرّ به خلال العام المُنصرم، ليقوم بإعادة ترتيب أولوياته والتخطيط لحياته ورسم أهداف جديدة يسعى لتحقيقها أو سُبل أخرى لتحقيق ما لم يتحقّق منها بعد.

 

فالإنسان بطبيعته كائن يسعى إلى التغيير وهذه الفترة تفتح الباب لا للتغيير وحسب، بل أيضًا للاستعداد له ورسم المسارات الحياتيّة التى تقوده دومًا نحو كلّ ما هو إيجابى فى حياته. ومع هذا الاستعداد الداخلى للإنسان، تترافق معه أيضًا مظاهر التغيير الخارجية، لتنعكس على الطّرق والمنازل التى تتزيّن بالألوان المبهجة وتتعالى فيها أصوات الموسيقى الجميلة، استعدادًا لهذه السنة الجديدة التى تلوح فى الأفق، والتى نُعلّق عليها آمالنا وطموحاتنا فى غدٍ جديد أفضل. إن كلّ سنة جديدة هى فرصة للنّمو وتطوير النّفس، والاتّجاه نحو آفاق جديدة فى المستقبل.

يتزامن مع هذه الفترة الاحتفال بعيد ميلاد السّيّد المسيح، إن هذه المناسبة ليست مُجرّد ذكرى دينيّة نحتفل بها أو حالة اجتماعيّة نتشارك فيها الفرحة ونتبادل التّهانى، بل هى حالة من التّجدّد الدّاخلى للإنسان. لحظةٌ نجتمع فيها سويًّا على أمل يرتكز على بداية جديدة لكلّ شخصٍ منّا. لحظة خروج النّور من قلب الظّلمة، انطلاق رجاء جديد من عمق اليأس، ميلاد السّيّد المسيح فى داخل مزود متواضع ومن أعماق قرية صغيرة تُدعى بيت لحم، تنطلق رسالة المحبّة والسّلام، تتحدّى اضطرابات العالم وصعوباته، وتُذكّر الإنسان بالقيم التى ينبغى أن يتّبعها. تُرسل أصداءها عبر الزّمن لنسمعها تتردّد فى الأرجاء وتتعالى مع أجراس الميلاد، تُنادى من جديد بنشر قيم المحبّة والسّلام بين البشر، لنتمكّن من الوصول للأخوّة الإنسانيّة التى نسعى إليها.

ولا يسعنا أيضًأ أن ننسى فى هذا الصدد دعوة الطيب الذِكر قداسة البابا فرنسيس، فى مثل هذه الأيّام، إلى إعلان سنة اليوبيل لعام 2025 “ سنة الرّجاء”، إذ يؤكّد فى مُقدّمة رسالته “رجاء لا يخيب”؛ أن “فى قلب كلّ إنسان رجاء هو رغبة وانتظار للخير، مع أنّه لا يعرف ما يحمله معه الغد». فالرّجاء هو المُحرّك الأساسى الّذى يدفع الإنسان نحو تحسين حياته ومساعدة الآخرين، أو كما يصفّها قداسة البابا “أن يستطيع كلّ واحدٍ أن يُقدّم ولو ابتسامة فقط، أو علامة صداقة، أو نظرة أخويّة، أو إصغاءً صادقًا، أو خدمة مجانيّة”. مثل تلك المبادرات البسيطة تمنحنا أملًا جديدًا فى الغد، وقدرة على الاستمرار والانطلاق. هذا الرّجاء الدّاخلى “مؤسّس على المحبّة، لذلك فهو لا يخيب”، وهو ذاته ما يمنحنا الشّعور بالسّعادة الحقيقيّة.

ويتابع قداسته الحديث فى رسالته عن تلك السّعادة، قائلًا: وما هى السّعادة؟ وأى سعادة ننتظر ونرغب فيها؟ لا ننتظر فرحًا عابرًا ورضا سريع الزّوال، الذى متى وُجد، طلب المزيد والمزيد دائمًا، فى دوامة من الجشع، لا تجد النّفس البشريّة فيها شبعًا أبدًا، بل تزداد فراغًا. نحن بحاجة إلى سعادة تتحقّق بشكل نهائى فيما يُحقّقنا، أى فى الحبّ، حتّى نستطيع أن نقول، والآن: أنا محبوب، إذن أنا موجود، وسأكون موجودًا إلى الأبد فى الحب الذى لا يخيّب أملى، والذى لن يستطيع أى شيء أو أى أحد من أن يفصلنى عنه». إن الرّجاء والمحبّة يشكّلان على حدّ وصف قداسته “ديناميكيّة لا تنفصل”، تلك الديناميكية التى تكفُل لقلوبنا منبعًا لا ينتهى من السّعادة والفرح الدّاخلى، النّاتجة عن إحساسنا بالرّضا والارتياح عندما نساعد الآخرين ونُقدّم لهم يد العون، بدافع واحد وحيد ألا وهو المحبة.

إنّ هذه الحالة التوافقيّة ما بين الرّجاء والمحبّة تعكس نمطًا من التّفاؤل والتّوقّعات الإيجابيّة لا تتوقّف عند الفرد وحسب، بل تنعكس على حالة المجتمع المصرى ككل، خاصًّة فى ظلّ النمو المتزايد والملحوظ الذى تشهده مصر فى السّنوات الأخيرة فى مجالات مختلفة وعديدة، مع التّركيز على تفعيل دور الشّباب فى المجتمع من خلال المبادرات الشّبابيّة والندوات التى تحرص على الاستفادة من الطّاقات الكبيرة التى يحملها الشّباب فى داخلهم. وكذلك الاهتمام بدور التكنولوجيا فى خدمة المجتمع وإدخالها فى مختلف الخدمات الحكوميّة والتعليم والقطاع البنكى لتسهيل إنجاز هذه الخدمات للمواطنين، ونشر الثّقافة التقنية بينهم لتواكب مُجريات العصر الحديث. والتّطوير الملحوظ فى مجال الصّحّة من حيث إنشاء مستشفيات جديدة، ورفع مستوى الخدمات الطبية مما أسهم فى التخفيف من معاناة الكثيرين، وأيضًا الاهتمام بالمجال التعليمى وإدخال أساليب التعليم الحديث فى المنظومة. كذلك نلاحظ التطوير الضخم للبنية التحتية فى مجالات مُتعددة مثل مشروعات الطرق والكبارى، وتطوير الموانئ، وتوسيع شبكات الطاقة، بالإضافة إلى إنشاء مجتمعات عمرانيّة جديدة تهدف إلى تخفيف ضغط الكثافة السكانية عن المدن والمحافظات، مما أدى إلى تحسين جودة الحياة، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمارات سواء المحليّة منها أو الأجنبيّة. وغيرها من الجهود الاقتصاديّة الدءوبة التى تعمل على تعزيز الإنتاج المحلّى، وإنشاء المشروعات القوميّة الّتى تسهم فى دعم الاستقرار وتشجيع الاستثمار. إن كل هذه الأمور تمنح الإنسان ثقةً أن بلادنا تسير بخطى حثيثة نحو مُستقبلٍ أفضل واقتصاد أكثر صلابة، فى ظل رؤية قيادة سياسيّة حكيمة تعمل دون كلل نحو تحسين حياة المواطن، ما يمنحه أملًا أن الأعوام المُقبلة ستكون أكثر قدرةً على تحقيق حياة أكثر كرامةً واستقرارًا.

أخيرًا وليس آخرًا، مع إشراقة العام الجديد التى تزرع فى قلوبنا الأمل والتفاؤل، وعيد الميلاد المجيد الذى يُمهّد الطريق فى أعماقنا ليسير فيه موكب الحبّ والرّجاء، نجد فيها كلّ إنسانٍ منّا يعيش فى أجواء مميّزة، يُجدّد فيها نظرته للحياة مرّةً أخرى، بقلب منفتح وأمانىّ جديدة، ورجاءٍ مُستمرّ فى غدٍ أفضل ومُستقبل أكثر إشراقًا؛ إذ نرسم فيها خطواتنا المستقبليّة نحو التطوير الذّاتى، ونستمتع بقضاء لحظات سعيدة مع المحيطين بنا، نتشارك فيها الأمل الجديد، ونفتح قلوبنا للتفاؤل، ونحتفل بكلّ إنجاز مهما كان صغيرًا، لنصنع معًا عامًا مليئًا بالسّعادة والطّمأنينة، عامًا نرى فيه بلادنا الحبيبة تنمو وتزدهر، فى ظلّ جهود حثيثة للتطوير على مختلف الأصعدة؛ الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة والتكنولوجيّة والصّحيّة والتّعليميّة، وكلّ هذا مُعتمدين على قوّة الشّباب الفاعلة فى المجتمع، والرّؤية المستقبليّة لقيادة حكيمة تسعى دائمًا فى طريقها نحو الأفضل والأرقى. لذا، نسأل الله دائمًا أن يحفظ مِصرنا الحبيبة، أرضًا وشعبًا، فى سلامٍ دائم لا ينتهى، ورجاءٍ حى لا ينضب، ومحبّة حقيقيّة تجمعنا معًا.

 
 
 
    كلمات البحث
  • عيد
  • الميلاد
  • المجيد
  • أهداف
  • تحقيق