رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الكنيسة القبطية.. بناء الوعى وتكوين الإنسان المصرى


7-1-2026 | 19:01

.

طباعة
بقلم: د. رامى عطا صديق

للكنيسة القبطية الأرثوذكسية مكانة راسخة ومتميزة بين مؤسسات الدولة المصرية، خاصة وأنها واحدة من أقدم هذه المؤسسات، فقد تأسست فى القرن الأول الميلادى، حين جاء القديس مرقس الرسول مبشرًا المصريين بالمسيحية، وحسب المؤرخين فقد كانت الكنيسة القبطية- وقت الاحتلال الرومانى لمصر الذى استمر عدة قرون- تجسد استقلال الشخصية المصرية، فى مقابل غياب الاستقلال السياسى الذى كان فى أيدى الرومان.

 

يقول الدكتور وليم سليمان قلادة (مبدأ المواطنة: دراسات ومقالات- القاهرة 1999م)، «لقد جاءت المسيحية إلى مصر فى منتصف القرن الأول الميلادى، بواسطة القديس مرقس كاتب الإنجيل الثانى، ومنذ أن اعتنق المصريون المسيحية، التأم المؤمنون فى جماعة منظمة هى (الكنيسة القبطية).. أقدم مؤسسة شعبية فى مصر، وما زالت مستمرة دون انقطاع ما يقرب من عشرين قرنًا، تؤدى مهمتها، وهى كيان مستقل، له رئاسته وتنظيمه المكتمل والمكتفى بذاته داخل مصر»..

ويضيف أن الكنيسة القبطية قد «استوعبت الكيان المصرى كله- الأرض والشعب، وكانت هى الحاضنة الوحيدة للوجدان المصرى والتطلعات الشعبية ستة قرون متصلة- كانت هذه الفترة مرحلة أساسية فى التكوين والتنشئة للشعب المصرى، ومن ثم كان أثر هذه الفترة غائرًا يستكن فى أعمق طبقات الوجدان الشعبى، وحمل المصريون ما اكتسبوه فى هذه المرحلة إلى المراحل التالية- ولو تغير الانتماء الديني».

ومن جانبه يصفها الدكتور طه حسين فى كتابه الرائد (مستقبل الثقافة فى مصر- القاهرة 1938م) بأنها «مجد مصرى قديم ومقوم من مقومات الوطن المصري»، مثلها مثل الأزهر الشريف أحد مقومات الدولة المصرية.

وعبر التاريخ مرت الكنيسة القبطية بالكثير من الوقائع والأحداث، القديمة والمعاصرة، التى أثبتت فيها دعمها للدولة، لأنها كنيسة وطنية من أرض هذا الوطن، وأنها كنيسة اجتماعية لا تعيش فى جزيرة منعزلة.

25 يناير والتطلع لدولة جديدة

من بين الأحداث المعاصرة تبرز ثورة 25 يناير 2011م، حين ثار المصريون ونزلوا إلى الشوارع والميادين فى العديد من المدن والمحافظات، وإن كان ميدان التحرير هو مركز الثورة، وطلبوا من الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك (1981-2011م) ونظامه الرحيل وترك الحكم دون عودة.. هتافات مشتركة جمعت الكل على قلب واحد: «عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية».. «مسلم ومسيحى إيد واحدة».

وشهد ميدان التحرير الكثير من المواقف التى عكست وحدة المصريين وتكاتفهم سويًا.. مواطنون مسيحيون يحمون المواطنين المسلمين أثناء صلاة الجمعة فى ميدان التحرير، ومواطنون مسلمون يحمون المواطنين المسيحيين أثناء الصلاة والتراتيل صباح يوم الأحد فى الميدان.. حتى أن ميدان التحرير بدا وكأنه «مصر صغيرة»، تبحث عن إشراقة أمل وفجر يوم جديد وشمس دائمة لا تغيب.

صعود تيارات سياسية متنوعة، بعضها مارس السياسة على أرضية مدنية، وبعضها الآخر مارس السياسة على أرضية دينية، ذلك المشهد الذى جعل المصريين يشعرون بكثير من التوتر والقلق على حاضر الوطن ومستقبله، شعروا بحالة من الانقسام والخلاف، إذ لم يستسغ المصريون الممارسات السياسية على خلفية دينية.

كثيرون اقتحموا الحياة السياسية بقوة، وتأسست عشرات الأحزاب، ما بين أحزاب قوية وأخرى كرتونية، وبرز على السطح جماعة الإخوان الإرهابية، التى كانت محظورة قبلًا، وقد أعلنت أنها لن ترشح رئيسًا للجمهورية، ثم ما لبثت أن عدلت عن رأيها ورشحت محمد مرسى لمنصب الرئيس، وقد فاز بالفعل فى انتخابات 2012م.

أداة فى يد المرشد!!

ظن المصريون أن محمد مرسى هو الرئيس الفعلى للبلاد، ولكن المواقف أثبتت بعد ذلك أنه مجرد أداة فى يد المرشد العام لجماعة الإخوان الإرهابية، وقد تسبب فى كثير من الزمات الداخلية والخارجية.. كثيرون اعترضوا وهاجموا وانتقدوا، وظهرت حركة تمرد، ولكن لا حياة لمن تنادى، حيث ظنت الجماعة أنها أتت لتحكم مصر «500» سنة وربما أكثر حسبما صرح أحد قياداتها، وحسب تصريحاتهم أيضًا فقد كانوا يقللون من مكانة مصر لصالح مشروع وهمى!!

تصحيح المسار فى 30 يونيو

بعد ثورة 25 يناير 2011م بنحو سنتين ونصف السنة، وبالتحديد فى 30 يونيو 2013م، خرج المصريون معًا، مسلمين ومسيحيين، رجالاً ونساء، الشباب والشيوخ، انتفاضًا ضد حكم «جماعة الإخوان الإرهابية»، وهو الحكم الذى استمر لنحو عام، تلك الجماعة التى أسسها حسن البنا بمدينة الإسماعيلية سنة 1928م كجماعة دينية ما لبثت أن انتشرت وتحولت للعمل السياسى، ولكنها أصبحت جماعة «محظورة» ابتداء من سنة 1954م، ثم صارت جماعة «محظوظة»- بتعبير البعض- بعد ثورة يناير 2011م، حيث مثلت تيارًا مُجتمعيًا خلط ما هو دينى بما هو سياسى، عادت بشكل رسمى مع ثورة 25 يناير، وسيطرت على مجلس الشعب (الهيئة التشريعية) برلمان 2011م واستطاعت الوصول إلى الحكم فى الانتخابات الرئاسية التى أُجريت سنة 2012م، وجاء «مرسى» رئيسًا للبلاد (2012-2013م)، إلا أن الممارسات السياسية لجماعة «الإخوان الإرهابية»، بزعامة مرشدهم وبعد تولى ممثلهم الحكم، قد عبرت عن رغبة جامحة فى الانفراد بحكم مصر، عبر «أخونة» قطاعات الدولة، والسير بالبلاد فى اتجاه واحد لا يعرف التعددية ولا يدرك التنوع، وغيرهما من صفات كثيرة ميزت مصر والمصريين عبر قرون طويلة، فاصطدموا بكثيرين، مثل القضاة والمحامين والصحفيين والفنانين، واستخدموا سياسة التهديد والوعيد والاستبعاد لكل ما هو مختلف ولا ينتمى إليهم، حتى اكتسب ذلك التيار- أثناء وجوده فى الحكم- رفضًا واسعًا من أغلب فئات وقطاعات الشعب المصري.

لم يرض المصريون باختطاف مصر، من خلال تيار بعينه، فى اتجاه يمارس العمل السياسى على أساس دينى، ويمارس الاستبعاد والتهميش والإقصاء للآخرين والمختلفين، وبالإجمال يُقزّم من حجم الدولة المصرية لصالح توجهات بالية عفى عليها الزمن، ولم تعد تصلح لدولة مدنية حديثة، جديدة وراقية.

ومن هنا كان الغرض الرئيس من ثورة 30 يونيو2013م هو تصحيح المسار والعودة ثانية نحو بناء مصر المدنية، مصر التى تجمع ولا تفرّق، مصر التى تقوم على أساس مبدأ المواطنة.

تهديد مبدأ المواطنة

أرادت جماعة الإخوان الإرهابية تفرقة المصريين، ورفضت سمة التعددية والتنوع، وهى السمة التى يتميز بها المجتمع المصرى منذ أمد بعيد، كما أن تلك الجماعة هددت بأفعالها وتصرفاتها وتصريحاتها مبدأ المواطنة، ذلك المبدأ الذى كان قد استقر منذ سنوات فى الدستور المصرى، وبالتحديد منذ عام 2007م.

فى وقت حكم الإخوان عادت للظهور عبارات قديمة، وترددت تساؤلات بالية، لا تتفق مع الدولة المدنية الحديثة، من نوع: هل تجوز الصداقة بين المسلم والمسيحي؟ هل يجوز التبرع للمسيحيين؟ هل يجوز للمسيحيين أن يتولوا المناصب فى الدولة؟ هل يجوز بناء كنائس جديدة؟ على المواطنين المسيحيين أن يدفعوا الجزية ولا يدخلون الجيش!! وغيرها من أفكار كان أعضاء الجماعة المحظورة يرددونها ويؤيدونها، وهى فى الواقع أفكار تهدد وتنتقص من مبدأ المواطنة الذى يقوم على المشاركة والمساواة فى الحقوق والواجبات.

مصر تولد من جديد

مع ثورة 30 يونيو وإزاحة جماعة الإخوان، وخلع مُمثلهم محمد مرسى من الحكم فى 3 يوليو، شعر المصريون بأن مصر تولد من جديد، أو لعلها تعود ثانية دولة مدنية حديثة، تستوعب الكل ولا تستبعد أحدًا.

وهكذا كانت ثورة 30 يونيو بداية عهد جديد، حيث تولى المستشار عدلى منصور رئاسة البلاد بشكل مؤقت لمدة عام (2013-2014م)، وخرج للنور دستور 2014م، ثم أُجريت الانتخابات الرئاسية، وجاء المشير عبد الفتاح السيسى رئيسًا للبلاد (يونيو 2014م) بإرادة شعبية صميمة.

رسائل المصريين فى 30 يونيو

حملت ثورة 30 يونيو 2013م عدة دروس مُهمة ومجموعة من الرسائل الكاشفة لطبيعة المصريين، والمُعبرة عن هويتهم الثقافية والحضارية التى تشكلت عبر مئات السنين، من خلال الكثير من التجارب والمواقف والأحداث والأفكار، ومن هذه الرسائل:

الرسالة الأولى: إن مصر هى صنيعة المصريين وحدهم، وأولًا وأخيرًا، بقدر ما يجتهدون وبقدر ما يخططون ويعملون، وبقدر النضج والوعى الذى يمتلكونه بحقيقة التغيرات المحلية والإقليمية والدولية، وغيرها من المتطلبات والمشكلات أو التحديات التى يواجهونها، ويعملون على حلها، ذلك أن «مصر هبة المصريين» بتعبير الأستاذ محمد شفيق غربال فى مفتتح كتابه «تكوين مصر».

الرسالة الثانية: يعيش المصريون معًا على الرغم من تنوع الانتماء الدينى فيما بينهم، وعلى الرغم من أى تنوع يميزهم، على أساس الدين أو المذهب الدينى داخل الدين الواحد، أو لون البشرة، أو النوع الاجتماعى (رجل وامرأة)، أو المستوى الاقتصادي- الاجتماعى، أو الموقع الجغرافى، أو الانتماء الفكرى والأيديولوجى، أو الانتماء الرياضى، وغيرها من انتماءات فرعية ضيقة، ولعل هذا هو جوهر مبدأ المواطنة، الذى يستوعب الجميع، لأنه يُجمّع ولا يُفرّق.

الرسالة الثالثة: أن المجتمع المصرى يتميز بسمة «التنوع فى إطار الوحدة»، أو بتعبير آخر هى «الوحدة الحاضنة للتنوع»، وهى سمة أصيلة مثلت مشهدًا بديعًا- فى الأغلب الأعم- أكد لنا كيف أن مصر دولة ثرية وغنية ذات تنوع مبدع وتعدد خلاق، وهو ما عبر عنه الكثير من حوادث التاريخ ومواقفه، فضلًا عن رؤى مثقفيه ومفكريه التى احتضنتها صفحات الصحف وبطون الدراسات والمؤلفات والكتب التى اختصت بحركة المصريين فى مختلف المجالات.

الرسالة الرابعة: ارتباط المصريين بمؤسسات الدولة، الرسمية منها وغير الرسمية، فى علاقة صحية تستهدف الخير العام وصالح الجميع، كما أنهم يعتزون بمختلف مصادر ومظاهر القوى الناعمة والذكية، وكافة فئات المجتمع، حيث أدرك المصريون جيدًا أهمية الاستقرار والتنمية والبناء، وأنه ليس من الحكمة أن يخسروا أيًا من مصادر قوتهم.

الرسالة الخامسة: الحضور المشترك للمصريين، من مسلمين ومسيحيين، فى مختلف المواقف والمناسبات، وهو حضور قوى يتجلى دومًا بوضوح مع وجود أهداف ومشروعات قومية، كما يتجلى فى الأحداث المجتمعية الكبرى، بالإضافة إلى الممارسات الاجتماعية ومعاملات الحياة اليومية، التى تعكس وتؤكد وحدة شعب مصر، وأن ما يجمعهم أكثر كثيرًا مما يفرقهم، ومن تلك العناصر التى تجمع المصريين: اللغة- الهوية- الثقافة- المصلحة المشتركة- رابطة الدم، بالإضافة إلى حوار الحياة اليومية المشترك الذى يستمر ويتجدد كل يوم.

الكنيسة تدعم الجمهورية الجديدة

على ذات النهج المعروف عن الكنيسة القبطية، من حيث الانتماء والوطنية الفاعلة، فقد استمرت الكنيسة فى ترسيخ دعائم وأواصر الجمهورية الجديدة، انطلاقًا من دورها الوطنى ومسئوليتها تجاه المجتمع والناس، ومن ذلك:

جهود فى الداخل:

التقاء خطاب الكنيسة القبطية مع خطاب الدولة، فيما يتعلق بالعمل على دعم وترسيخ مبدأ المواطنة، الذى يقوم على المشاركة والمساواة بين جميع المواطنين دون تفرقة ودون تمييز، فمن جانب تعمل الكنيسة على نشر ثقافة التسامح والخير والمساواة والسلام، وغيرها من قيم إيجابية، ومن جانب آخر فإنها تؤكد على نبذ العنف والتعصب والتمييز والكراهية والتنمر وغيرها من ممارسات سلبية، وبالإجمال المشاركة فى بناء الوعى وتكوين الإنسان المصري.

استمرار الكنيسة فى تنفيذ الكثير من الأعمال الاجتماعية والثقافية، ذات الطبيعة الخدمية والتنموية، لجميع المواطنين دون تمييز على أساس الانتماء الدينى، ومن ذلك مثلًا المشاركة فى إقامة المدارس والمستشفيات والمؤسسات العلمية والمراكز الثقافية.

دعم الكنيسة القبطية للكثير من المبادرات التى أطلقتها الدولة، مثل مبادرة حياة كريمة ومبادرة بداية لبناء الإنسان، وكذلك المبادرات الخاصة بالمرأة والأطفال وذوى الاحتياجات الخاصة.

جهود فى الخارج:

الكنيسة القبطية قوة وناعمة وذكية، وهى سفير عن الوطن مصر فى المحافل الدولية، واللقاءات العالمية، ما يُسهم فى تقديم صورة صحيحة عن الوطن مصر.

استمرار التفاعل الإقليمى والدولى من خلال عضوية الكنيسة القبطية فى المجالس الإقليمية والدولية، مثل مجلس كنائس الشرق الأوسط، ومجلس الكنائس العالمى، ما يعكس مكانة مصر وحضارتها.

اهتمام الكنيسة بتحقيق التواصل بين الأقباط المهاجرين فى الخارج، والوطن الأم مصر، ومن ذلك مثلًا مبادرة «العودة إلى الجذور» التى أطلقها قداسة البابا تواضروس الثانى، وتهتم بربط الشباب فى الخارج بوطنهم الأم، وتنظيم لقاءات وحوارات وزيارات ميدانية متنوعة لهم أثناء إقامتهم فى مصر.