فى عام 2015، كانت الزيارة الأولى للرئيس السيسى إلى الكاتدرائية المرقسية بالعباسية لحضور قداس ليلة عيد الميلاد، لتسجل هذه المشاركة سابقة هى الأولى من نوعها فى تاريخ البلاد، إذ كانت التهنئة الرئاسية قبل ذلك تقتصر على برقية أو اتصال هاتفى، إلى جانب حضور موفد عن رئيس الجمهورية. ومنذ تلك اللحظة، تغير المشهد كليًا. فقد جاءت الزيارة مفاجأة غير معلنة، وهو ما أرويه هنا من واقع وجودى داخل الحدث وبالقرب من تفاصيله. كان التنظيم يسير بشكل طبيعى ومعتاد، ثم بدأت ترد معلومات وتحركات محدودة تشير إلى احتمال وجود زيارة مهمة دون الإفصاح عن هوية الزائر، لتبدأ التكهنات، كعادة المصريين، دون أن يخطر ببال أحد أن يكون الرئيس بنفسه. كان هذا الاحتمال بعيدًا عن الأذهان فى ذلك التوقيت، ورغم أن المشهد بات مألوفًا الآن، فإنه كان آنذاك مفاجأة كبيرة ومؤثرة.
امتدت المفاجأة إلى وسائل الإعلام التى نقلت الحدث دون معرفة مسبقة. تعالت الزغاريد والهتافات والتصفيق فرحًا على أنغام الألحان، لحظة دخول الرئيس من الباب الأمامى، حيث استقبله البابا تواضروس الثانى بترحاب واضح، وتبادلا حديثًا وديًا اتسم بمشاعر إيجابية عكستها لغة العيون. واستكمل الأساقفة مراسم الاستقبال بحفاوة وترحيب، فى مشهد تجاوز البروتوكولات الرسمية، معبرًا عن تقدير واسع لهذه الخطوة التى وصفها كثيرون بأنها خطوة مهمة على طريق ترسيخ مفهوم المواطنة وتأسيس تقليد رئاسى لم يكن مطروحًا من قبل.
جاءت كلمات الرئيس السيسى قصيرة فى مدتها، واضحة فى معانيها، قوية فى تأثيرها، إذ قال:
«كان ضرورى أن أجى أقول لكم كل سنة وأنتم طيبين، وأرجو ألا أكون قطعت صلاتكم. طول السنوات مصر علمت العالم كله الحضارة والإنسانية، والعالم منتظر الكثير من مصر فى هذه الظروف. من المهم أن يرى العالم هذا المشهد الذى يعكس وحدة المصريين الحقيقية. ومينفعش حد يقول غير كلمة المصريين، نحن فقط مصريون».
ردد الحضور هتاف «بنحبك يا سيسي»، ليرد الرئيس بعفوية: «وأنا كمان بحبكم». وفى تلك اللحظة، وفى كل مرة يعبر فيها الرئيس عن محبته لمصر وشعبها، يتشكل فى ذهنى مشهد 30 يونيو وما تلاه من مهلة الـ48 ساعة لتلبية مطالب الشعب. تلك الأيام التى حبست أنفاس المصريين وهم يترقبون مصير البلاد، خاصة بعد انقضاء المهلة الأولى التى مُنحت للقوى السياسية دون نتائج، فى ظل رفض الجماعة الإرهابية. حينها، كان الأمل معقودًا لدى قطاعات واسعة من الشعب المصرى على تدخل المشير عبد الفتاح السيسى لإنقاذ الوطن من مسار بالغ الخطورة. ولم يلتقط المصريون أنفاسهم إلا مع بيان القيادة العامة للقوات المسلحة فى 3 يوليو، حيث قوبلت كلماته بتفاعل واسع أمام شاشات التلفزيون، إدراكًا لخطورة الموقف وتقديرًا لحجم المسؤولية التى تحمّلها. ومن هنا، ارتبط الاستقبال الشعبى للرئيس بمشاعر التقدير، مرددين «بنحبك يا سيسي»، ليبادلهم «وأنا كمان».
ثم ارتفع هتاف «إيد واحدة»، الهتاف الذى اعتاد المصريون سماعه فى الميادين والمحافظات: «الجيش والشعب إيد واحدة»، لكنه هذه المرة انطلق من داخل الكاتدرائية وفى ليلة عيد الميلاد، تأكيدًا لمعنى الوحدة الوطنية، وأن المصريين، كما قال الرئيس، شعب واحد بلا تفرقة. وتلقف الحضور الرسالة سريعًا، مرددين الهتاف ذاته، فى تأكيد واضح على وحدة الصف، ورسالة مفادها أن محاولات شق الصف لن تجد سبيلًا بين المصريين.
فى الزيارة الثانية عام 2016، جدد الرئيس تأكيده على وحدة المصريين بقوله: «محدش يقدر يفرق بينا»، وتعهد بأن العام التالى لن يكون فيه بيت أو كنيسة إلا وقد تم ترميمها، فى إشارة إلى الكنائس التى تعرضت للحرق على يد أنصار الجماعة الإرهابية ردًا على ثورة 30 يونيو. وفى هذا السياق، قال البابا تواضروس الثانى كلمته التى أصبحت علامة فارقة فى مفهوم المواطنة: «وطن بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن». وقد لاقت هذه العبارة صدى واسعًا لدى المصريين، لما حملته من دلالة عميقة قطعت الطريق أمام محاولات الفتنة.
وبحلول عام 2017، تجدد اللقاء فى إطار هذا التقليد الرئاسى الذى ترسخ بزيارة الكاتدرائية فى كل عيد ميلاد. ومع مرور الوقت، ازدادت حفاوة الاستقبال، وتطورت العلاقة المؤسسية بين الرئاسة والكنيسة. وأشاد الرئيس بعدم مطالبة البابا بترميم الكنائس، رغم كونه حقًا مشروعًا، معلنًا فى الوقت نفسه أن ما وعد به فى العام السابق قد تحقق بالفعل، موضحًا أن هناك كنيستين فقط كانتا فى انتظار استكمال الألواح الزجاجية خلال فترة وجيزة.
وفى عام 2018، وبالتزامن مع مرور خمسين عامًا على إنشاء الكاتدرائية، أعلن الرئيس ضرورة إنشاء أكبر كنيسة وأكبر مسجد فى مصر بالعاصمة الجديدة، وكان أول المساهمين فى هذا المشروع. كما أعلن أن قداس عيد الميلاد التالى سيقام فى الكاتدرائية الجديدة، التى تمثل صرحًا يعكس التعايش والاحترام المتبادل فى العاصمة الإدارية الجديدة.
وبالفعل، احتفل المصريون فى العام التالى بعيد الميلاد من قلب العاصمة الجديدة، فى مشهد بدا استثنائيًا، حيث تم الانتهاء من كاتدرائية ميلاد المسيح لتكون جاهزة للاحتفال، رغم استمرار بعض الأعمال التفصيلية. وباعتبارها المرة الأولى للاحتفال فى العاصمة الجديدة، جرى الاهتمام بالجوانب التنظيمية واللوجستية لتيسير وصول المشاركين فى أجواء آمنة ومناسبة، مع مراعاة برودة الطقس.
لا أستطيع وصف فرحتى بذلك العيد، ورغم الحضور المبكر منذ نحو الساعة الثالثة عصرًا لإنهاء الترتيبات، وامتداد اليوم حتى منتصف الليل، فإن أجواء الاحتفال أنستنى أى شعور بالتعب. كان الإحساس الغالب هو الفرح والفخر، الفخر بمصر وما تشهده من تحولات.
دقت أجراس الكاتدرائية إيذانًا باستقبال الرئيس، ورتل خورس الشمامسة الألحان، واستقبله الحضور بالترحاب والورود. الزيارة التى كانت تستغرق دقائق معدودة فى كاتدرائية العباسية، أصبحت منذ ذلك العام تمتد لنحو نصف ساعة. ويعود ذلك إلى طبيعة المشهد؛ ففى كاتدرائية العاصمة الجديدة، يدخل الرئيس بصحبة البابا تواضروس من الباب الرئيسى، ويسيران بطول الكاتدرائية بين صفوف الحضور، الذين يستقبلونه بالتحية والترحاب. وكان الرئيس يتوقف للاستماع إلى المواطنين والتقاط الصور التذكارية، فى مشهد إنسانى بات جزءًا من هذا التقليد السنوى، ليصبح العيد، بحق، عيدين.