رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

ذاكرة مصر و«أنسنة الثقافة»


7-1-2026 | 17:31

.

طباعة
بقلـم: إيمان رسلان

ماذا يعنى التاريخ؟ هل هو الآثار المادية فقط، أم سير الحكام والسلاطين كما فى مناهجنا، أم قصص أفراد الشعب وتاريخ البشر الذى صنع الحجر والتاريخ، وأين هى، هل يوجد سير للمثقفين والمفكرين والفلاسفة؟ وهل هناك ملفات للمرأة المصرية ومنها حكايات ربات البيوت، كل هذه الأفكار كانت تدور فى الرأس حينما استمعت لندوة نقاشية حول ذاكرة مصر المعاصرة.

 

والذاكرة طبقًا لمجمع اللغة العربية هى وظيفة معرفية وتعنى القدرة العقلية على استقبال المعلومات وتخزينها واسترجاعها لاحقًا، وهى أيضًا قدرة النفس على الاحتفاظ بالتجارب الداخلية واسترجاعها، وهى فى بعض المعاجم يأتى منها كلمة أذكار وحتى حلقة الذكر.

تداعت أفكار كثيرة، خاصة لكلمة «المعاصرة» لأنها تعنى تاريخنا الحديث والقريب، وأنا أتصفح عددًا خاصًا ومتميزًا للغاية بعنوان برلمانات ونواب فى تاريخ مصر، لا سيما ونحن على أبواب انعقاد لمجلس النواب المصرى الشهر القادم، فصدر مؤخرًا عن مشروع «ذاكرة مصر المعاصرة» العدد رقم «57» والبرنامج تأسس عام 2009 بمكتبة الإسكندرية.

فقررت بعد تصفحه ولأهميته أن أقوم بعرض لأهم ما به، ليس لأن العدد يجمع مجموعة من الصور الرائعة والنادرة فقط وإنما لأنه قراءة واعية لبرلمانات مصرية عبر تاريخ طويل يمتد إلى عام 1866، يعنى عمر البرلمان هو 160 سنة وإنما لأن ما به يعكس تاريخًا، وكتبه قامات علمية وفكرية، أى أنه يظل وثيقة معرفية تستوجب استعراض ما به.

لذلك سوف أبدأ بداية تاريخية مع أول مجلس وليس طبقًا لترتيب العدد مع عرض خاص لطرائف ونوادر ما حدث مع المجالس المتعاقبة على مر الـ160 عامًا السابقة، لأنها تستحق عرضها فى معرض خاص وربما يتلقفها كتاب أو تصبح رسالة فتخرج إلى النور.

ونبدأ ومع أول مجلس لشورى النواب والذى أعاد قراءة وقائعه، د. سامح فوزى رئيس تحرير السلسلة المصرية، ففى قراءة لمضبطة الافتتاح لأول مجلس للنواب، والذى انعقد عام 1866، ونص على أن يزيد عدد أعضائه على 75 عضوًا وينتخبون انتخابًا غير مباشر من أعيان مديريات مصر حسب تعداد السكان (كانت مصر حوالى 14 مديرية وسكانها ما يقرب من 7 ملايين طبقًا لأول إحصاء تم عام 1882)، إذن نستنتج أن التعداد كان حوالى 6 ملايين، فإذا قسمنا عدد النواب على السكان سيكون حوالى 10 نواب لكل مليون نفس، أى 5 نواب لكل مديرية تقريبًا.

وأن اللائحة للمجلس نصت على مدة انعقاده وهى شهران فقط من منتصف ديسمبر إلى منتصف فبراير.

لقد افتتح واجتمع الخديو إسماعيل بعد تشكيل المجلس بأعضائه فى قلعة محمد على وكان ذلك يوم الأحد فى شهر رجب وكان موعد الانعقاد الساعة 3.15عصرًا وحضره كبار رؤساء النظارات والدواوين (مثل مجلس الوزراء حاليًا)، وألقى الخديو خطبة بالعودة إلى تأسيس جده محمد على للدولة الحديثة وإلى تحقيق الأمن والقضاء على المماليك، وإدخال التمدن ووصل الأمر إليه، أى أنه يقول إنه امتداد لمشروع جده وأبيه إبراهيم، وفى اليوم التالى ذهب 10 من أعضاء المجلس إلى الحضرة الخديوية للرد على خطابه بالشكر.

ويرى د. على الدين هلال خلال دراسته الشيقة والتى تتضمن الطرائف أيضًا وبعنوان نواب وبرلمانات، أن هذا المجلس مدته 3 سنوات، وأن اختصاصه هو المداولة فى المنافع الداخلية، أى أن المجلس يناقش المسائل التى تعرضها الحكومة وليست ملزمة لها، وعين إسماعيل راغب باشا رئيسًا للمجلس، ولم يستمر المجلس بدون صلاحيات كثيرًا، لأنه بعد 10 سنوات ينتقد نائب الغربية -عثمان الهرميل وهى عائلة شهيرة بالغربية، ويعتبر جد الوزير عمرو موسى.

وفى هذا البرلمان انتقد قانون الضرائب، وكان ذلك يحدث لأول مرة، ولكن صدر قرار خديوى بحل المجلس بعد ذلك عام 1879، ولكن أعضاء المجلس رفضوا ذلك، واتفقوا على تكوين وزارة وطنية وإصدار لائحة جديدة، والتى تعتبر أول دستور للبلاد، ولكن عُزل الخديو إسماعيل بعدها وتولى توفيق الذى عطل الحياة البرلمانية، وجاء الاحتلال ولكن فى المجلس كان هناك دائمًا شكاوى من الضرائب على المصريين، وبرز فى ذلك اسم الشيخ على يوسف، وفى البرلمان التالى برز اسم سعد زغلول الذى ترشح فى ثلاث دوائر، حيث كان مسموحًا أن يترشح العضو فى أكثر من دائرة، فنجح فى اثنتين!، وبعد ثورة 1919 تولى رئاسة المجلس وتم حله ولكن عام 1925 حل البرلمان فى يوم افتتاحه لفوز سعد زغلول مرة أخرى! وبرزت فى البرلمانات التالية أسماء مثل مصطفى النحاس ومكرم عبيد وأحمد ماهر وفؤاد سراج الدين وغيرهم بدون نساء!.

ويستعرض محمد مطش كتاب د. يونان لبيب رزق قصة البرلمان المصرى، خاصة أن د. يونان قسّمه إلى أقسام، القسم الأول وهو بعنوان الفقراء يمتنعون من 1866 إلى 1913والانتخاب لفئات محددة، ثم فصل آخر بعنوان الرعاع قادمون من 1932، 1952، وسمح به للشعب بحق الانتخاب المباشر لممثليه- وغالبًا كانوا من طبقة الملاك والنخب- ثم استعرض لحقبة الانتخابات بالقائمة فى الثمانينيات، ثم عنوان آخر لافت بالكتاب يحمل اسم تحت القبة مستقلون، واستفحال ظاهرة المستقلين فى البرلمان المصرى عام 1990 ثم فُصل عن الحصانة البرلمانية على الطريقة المصرية، وكيف توظف هذا المبدأ القانونى المهم فى مصر مثل الدول النيابية العريقة، وكم كنت أتمنى أن يطول العمر بالدكتور يونان لبيب رزق ليضيف فصلاً عن المال والسياسة والبرلمان.

ومن التجارب المهمة التى يستعرضها العدد تجربة قلينى فهمى باشا وكتبه رامى عطا واستعرض بها تجربته المهمة جدًا والتى بدأت منذ القرن 19 واستمرت حتى ثورة يوليو 1952 وبمساعدة من النائب يوسف عبدالشهيد الذى عاش بالسياسة ما يقرب من قرن كامل وكان جهده فى التنمية والأعمال الخيرية لا يُنسى ومنه ساحل روض الفرج، وبنك التسليف، وأنشأ المجالس التأديبية بالوزارات وغيرها من أعمال بناء المدارس والمستشفيات.

لا ينسى العدد استعراض دور وإنجاز وحكايات أول امرأة تدخل البرلمان راوية عطية عام 1957وكيف ابتعدت بعد ذلك؟! وتجربة أمينة شكرى، وكذلك تجارب فايدة كامل.

ولكن هناك مقالاً وشهادة مهمة للغاية من أستاذتنا أمينة شفيق الصحفية والنقابيّة المرموقة وعن تجربتها لخوض انتخابات مجلس الشعب، وتحدثت عن المال والإنفاق، خاصة أنها كانت ممثلة لليسار ولحزب فقير هو حزب التجمع،- وعن التسلط الذكورى فى المجتمع- حتى فى انتخابات الصحفيين.

ومن الموضوعات الممتعة هو موضوع عن أشهر النواب وكان عن المستشار ممتاز نصار وتجربته ومشاغباته بالبرلمان، وكذلك موضوع عن الفنانين والبرلمان، خاصة تجربة انتخاب كمال الطويل وتجربته السياسية الطويلة حتى بدخول الأحزاب ثم تعيينات الفنانين بمجلس الشورى وأشهرهم وأولهم محمود المليجى، فقد نبه لمعلومات ربما غير معروفة عنه، حيث كان له دور سياسى بارز، وكتب مقالات سياسية ونقابيّة بالكواكب، لذلك عينه الرئيس السادات، وتجارب أخرى استعرضها العدد مثل تجربة سيد جلال، وهناك مقال لمجدى عبدالحميد عن أول برلمان للجمهورية عام 1957.

ولكن يبقى لمقالة ومداخلة د. أحمد زايد مدير مكتبة الإسكندرية بالندوة التى أُقيمت لعرض مسار ومستقبل هذا البرنامج أهمية خاصة أولاً لأنه بجانب المقال والذى استعرض به تاريخ التمثيل البرلمانى عبر نشأته بأثينا قديمًا ثم تطوره فى إسبانيا، ولكن أهم ما قيل هو اقتراحات التطوير والتحديث للمشروع حيث اقترح د. أحمد زايد بإضافة 1000 شخصية من القرنين 19،20 إلى مشروع الموسوعة لأنه كما قال إن الاهتمام بالتاريخ والتذكر الجمعى، ليس مجرد رجوع للماضى بل هو ركيزة لبناء الهوية والتماسك الاجتماعى، وتحمى المجتمع من النزيف وأن مصر ليست عاجزة تاريخيًا بل متدفقة بالإنجازات «والذاكرة الموثقة» هى اليقين لمواجهة حالة اللايقين الذى يفرضه انتشار وسائل التواصل الاجتماعى.

الحقيقة أن إضافة 1000 شخصية وموضوع هو قضية بالغة الأهمية ليس فى الرقم فقط لأنه عمليًا الكثرة ستؤدى إلى التنوع وقراءات ونماذج أخرى، وتعنى أيضًا اتجاه المكتبة كما أصفها لمسار «أنسنة الثقافة» وخروجها لاقتراب من مختلف أنماط وشخصيات تاريخ المجتمع كله وليس حكامه فقط كما فى مناهجنا، ويعنى خروجها من إطار نخبوى لتعبر عن قضايا وعمق وأهمية الثقافة المصرية للمجتمع كله لا سيما فى إطار مشروع المكتبة الآخر والمهم، وهو سلسلة كتب الفكر العالمى وأقطابه للشباب والنشء وبشكل مبسط، فتلازم المشروعين ذاكرة مصر والمعاصرة، أى الحديثة مع نشر المعرفة بالكتب للشباب، مع التركيز على إتاحة تلك المعرفة إلكترونيًا أيضًا وهى قضية مهمة للنشر وعدم احتكار المعرفة لتخرج المكتبة إلى مستحقيها ومن مجال الثقافة للنخبة إلى الثقافة والعامة والمواطن.