رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

ذاكرة الأرض الرقمية.. التكنولوجيا ترجمة معاصرة للحكمة النبوية


7-1-2026 | 19:03

.

طباعة
بقلم: د.محمود علوان

إن فهمنا لنهج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يأمرنا بأن نكون قوامين على أنفسنا ومواردنا، كما حفظ لنا تراثنا النبوى حكمة عملية خالدة هى جزء من تحقيق العبودية: «لا تسرف فى الماء ولو كنت على نهر جار»، يأتى دور التكنولوجيا اليوم لتحفظ لنا «ذاكرة الأرض» وتذكرنا بتلك الوصايا، عبر استخدام إنترنت الأشياء (IoT) وأجهزة الاستشعار والأقمار الصناعية، نرصد صحة التربة، نحلل أنماط المناخ، نتتبع جودة الهواء، هذه «الذاكرة الرقمية الخضراء» هى شكل حديث من أشكال «المراقبة» والمرابطة  مراقبة موارد الله التى استخلفنا فيها، ومرابطة على ثغور الأمانة  لنمتلك البيانات الدقيقة التى تمكننا من التصرف بحكمة القائم على العبودية، الذى يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه غيره، إن تحويل الحكمة النبوية إلى بيانات رقمية قابلة للقياس والمتابعة هو استمرار لمسيرة الفهم العملى لتعاليم الإسلام فى إعمار الأرض، وهو يجعل من التكنولوجيا لساناً معاصراً يترجم لغة الوحى إلى إجراءات تنفيذية فى عالم اليوم، وهكذا يصبح الفتح البيئى تجسيداً لقول النبى صلى الله عليه وسلم: «الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت»، حيث تكون المحاسبة الذاتية والتخطيط للمستقبل باستخدام أدوات العصر.

 

وإذا كان فكر «الطريقة العلوانية» يجعل من خدمة الخلق طريقاً إلى الخالق، فإنَّ التحدى الحقيقى لعام 2026 يتمثَّل فى تحويل هذا المبدأ إلى حقيقة فى عالم الصناعة، لسنا أمام نقلٍ تقنى فحسب، بل أمام «استخلافٍ» روحى للتكنولوجيا؛ نجعلها وليَّةً على البيئة، ووسيلةً للإحسان.

فليس المقصود بإقامة مصانع الألواح الشمسية أو الضوئية أو كرات الطاقة الفوتونية ووحدات تحلية المياه بالطاقة المتجددة مجرد استبدال مصدر طاقة بآخر، بل هو تحويل «الآلة» من أداة استغلال إلى وسيلة رحمة، إن توطين صناعة الألواح الشمسية أو الضوئية المتقدمة ذات الوجهين هو فى هذه الرؤية، صناعة «مصابيح» تعكس نور الله فى الكون بكفاءة أعلى، وتصميم أنظمة الذكاء الاصطناعى لترشيد مياه الرى هو ضربٌ من «الورع» الدقيق الذى يحفظ أسرار النقاء فى كل قطرة كما يحفظ أسرار القلوب، امتثالاً للهدى النبوى فى القصد.

هذا التحوُّل يجعل الصناعة الجديدة «صدقة جارية» فى عالم المادة، تتحول أرض مصر إلى ورشة تعمل ليل نهار لتوليد طاقة نظيفة، تصدَّر الخير كما تصدَّر المنتج. وتصبح مخلفات الزراعة والصناعة - بدلاً من أن تكون عبئاً - مواد أولية لمصانع إعادة التدوير والطاقة الحيوية، فى تحقيق عملى لمبدأ «لا يُضيع شيء عند المؤمن». هنا تتجلى الحكمة: أن تتحول الدورة الإنتاجية إلى دائرة مغلقة من العطاء، لا إلى خط مستقيم ينتهى بمقبرة للنفايات، وهذه الدائرة المغلقة من العطاء هى نموذج مصغر للوحدة المتكاملة التى ننشدها فى المجتمع، حيث يعود خير الفرد والمؤسسة على الجميع.

إن النظرة المادية ترى فى المصنع كائناً اقتصادياً يبحث عن الربح، أما فى رؤيتنا المستمدة من روح ابن علوان ومن فهم النهج النبوى، فإن المصنع الأخضر يصير «محراباً» ثانياً، حيث تتحرك الآلات بتوازن، وتستهلك الطاقة باعتدال، وتُخرج المنتج نقياً، وكأنها تسبح بحمد ربها بصمت، إن التصنيع الذى يعتمد على مواد معاد تدويرها ليس ممارسة تسويقية، بل هو خلقٌ لـ»وسائل الإحسان» تحفظ على الأجيال القادمة حقها فى الموارد.

وهكذا، لا يكون توطين التكنولوجيا الخضراء فى مصر مجرد برنامج اقتصادى، بل ارتقاءً بأخلاق الصناعة ذاتها من «صناعة تستغل» إلى «صناعة ترحم»، ومن «آلة تستهلك» إلى «آلة تقدم»، إنه الفتح المبين الذى يجعل من حجر المصنع ونور الشاشة وسيلةً لتجلى التقوى فى عصر الذكاء، وإعلاناً أن القلب إذا عمر بالإحسان، فإن يديه ستبنيان أدوات هذا الإحسان.

ميثاق النيل

يعلمنا التصوف أن «الأدب قبل الطلب»، وفى مصر، أدبنا مع الله يبدأ من أدبنا مع نهره الكريم، إن الحفاظ على قطرة الماء فى عام 2026 هو «وِردٌ صوفى» يومى، يجمع بين العلم الدقيق والروح اليقظة، امتداداً لفهم النهج النبوى فى التعامل مع النعم، وهنا تتجلى الوحدة العملية وكأمثلة لذلك:

تكنولوجيا ميسرة: مثل تشجيع تركيب «محابس المياه» الذكية ووحدات معالجة المياه الرمادية فى المنازل والمساجد والمدارس، لتعظيم النفع من كل قطرة، فهذا هو التطبيق المعاصر لقول النبى صلى الله عليه وسلم: «لا تسرف فى الماء ولو كنت على نهر جار».

شراكات مجتمعية: دعم «جمعيات مستخدمى المياه» على مستوى القرى والأحياء، ليكون الحفاظ على الترع والمصارف مسئولية جماعية قائمة على التعاون على البر والتقوى، لا على الإلزام فقط، تحقيقاً لمبدأ التعاون على البر الذى أرساه الإسلام، وهذا التعاون هو نسيج الوحدة المجتمعية الذى يحمى المصلحة المشتركة.

عمارة الأبدان جزء من عمارة الأكوان

إن الحكمة الإلهية جعلت صحة الأجساد مرتبطة بنقاء الأكوان، فالتلوث ليس انتهاكاً للبيئة فحسب، بل هو اعتداء على الهواء الذى نتنفسه والماء الذى نشربه، وهى من أعظم نعم الله، فى عام 2026، لن تكون الاستدامة خياراً فاخراً، بل ضرورة وقائية.

والوصفة الطبية الخضراء: مثل أن يتضمن فحص الطبيب توصية بالمشى فى الحدائق أو زراعة نباتات منزلية لتنقية الهواء، كجزء لا يتجزأ من خطة العلاج الشاملة للجسد والروح.

والمدن المعالجة: مثل تصميم المساحات الحضرية لتقليل «الجزر الحرارية» وزيادة الرقعة الخضراء، مما يقلل من أمراض الجهاز التنفسى والضغوط النفسية، تحقيقاً لقول الله تعالى: «وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا».

وأيضًا مراقبة صحية بيئية: ربط البيانات الوبائية بمؤشرات التلوث فى كل حى، للتدخل السريع وحماية المجتمع، لأن «درهم وقاية خير من قنطار علاج»، وهذه هى الوقاية فى أعلى صورها، وهو منهج نبوى أصيل، وهذه الرعاية الصحية البيئية الشاملة تكرس وحدة المصير بين كل سكان الحى والمدينة، فصحة الجوار جزء من صحتى.