ما نراه الآن فى حياتنا اليومية من تقدم علمى وتكنولوجى فاق حدود الواقع فى كافة المجالات كان من الصعب التنبؤ به منذ مائة عام من الزمان؛ فقد كان العالم فى ذلك الوقت يعيش حياة عادية نمطية للغاية، يحاول فيها أن يتماسك ويستعيد توازنه كلما جدَّ فى الأفق جديد. وكانت الحياة تسير على وتيرة واحدة فى كل المجالات، ومهما حاول الإنسان التقدم بها إلى الأمام، إلا أنها فى بعض الأحيان كان يعم فيها الخراب والدمار بسبب الحروب والثورات والتهالك على الاستحواذ على كل شئ، بأى وسيلة من الوسائل الشرعية أو غير الشرعية. وكانت جميع الاختراعات والابتكارات تذهب إلى الاستهلاك المحلى فى كافة المجالات الإنسانية وغير الإنسانية. هكذا كان هو الزمن منذ مائة عامٍ مضت، وكانت وتيرة تقدمه تسير ببطء من خلال الاختراعات التى كان يقوم بها العلماء، والتى كانت توجه عادة إلى الدمار والانحطاط.
وكان هذا هو الزمن فى تطوره المستمر منذ آلاف السنين، وتحمل لنا الكتب والدوريات تراث التطور على صفحاتها أولا بأول. والقارئ للهلال على سبيل المثال منذ مائة عام، باعتبارها الدورية التى كانت حاضرة خلال تلك الفترة الزمنية، يعرف مقدار التطور الذى مرت به الحياة الآن. ونذكر من بعض أعدادها على سبيل المثال نماذج بسيطة مما تم اختراعه منذ مائة عام، ويشمل هذا التقدم البطء فى مظاهره أدقَّ دقائقِ الأمورِ فى حياتنا كلها.
فلو دققنا فى إحدى أعداد المجلة التى كانت تصدر منذ أكثر من 133 عاماً كنموذج للدورية التى أفسحت صفحاتها للعلم والأدب والثقافة، فسوف نجد بيئة غريبة عما نصادفه الآن فى روتين حياتنا اليومية.
فمثلًا لو اطلعنا على الأعداد الخمسة الأولى من مجلة الهلال الصادرة فى أوائل شهر سبتمبر 1892، الموافق 10 صفر سنة 1310هـ، والمكتوب على غلافها إنها مجلة علمية تاريخية صحية أدبية، لمنشئها جرجى زيدان، كنموذج لما كنا نطالعه منذ أكثر من مائة عام، نجد أن هذه المجلة والدار التى كانت تصدر عنها قد اشتغلت على خيالٍ خصبٍ نتج عنه الكثير والكثير من مصادر المعرفة والعلوم والثقافة والأدب، حتى قال عنها أمير الشعراء أحمد شوقى بعد رحيل مؤسسها جرجى زيدان:
قد أكمل الله ذيّاك الهلال لنــــــا فلا رأى الدهر نقصًا بعد إكمال
بعث الماضى حيًّا والسمو به عن طريق البحث والخيال والحوار.
والمتتبع لأعداد المجلة منذ نشأتها حتى الآن يستطيع أن يعرف كيف تطورت الحياة فى مصر منذ مائة عام وحتى الآن تطورًا كبيرًا؛ فقد نشر فى هذه الدورية الثرية الخصبة التى مر على صدورها أكثر من مائة وثلاثين عامًا الكثيرَ والكثيرَ من كافة الثقافات التى كنا نتخيلها فى عقولنا وإدراكنا. ولو عدنا إلى الوراء إلى أكثر من مائة عام نجد فى الأعداد الأولى من الهلال هذا السيل من المعلومات التاريخية والأدبية والعلمية التى كانت سائدة خلال تلك الفترة، والتى كانت تُترجم عن خط سير الحياة فى مصر والعالم العربى بل والعالم كله.
فقد كانت أول دورية دعت إلى إنشاء الجامعة المصرية عام (1900)، وترسم الخطة وتتابع التنفيذ، وتنادى بتعريب العلوم (1897). وكانت أول مجلة تطالب فى الخمسينيات بإنشاء وزارة للبحث العلمى لربط العلم بحياة المجتمع.
ولو استعرضنا بعض النماذج لما نشر فى الهلال خلال الأعداد الأولى نجد أن المجلة كانت تهتم بكل جديد سواء فى مجالات الثقافة والاختراعات العلمية وغيرها. فنجد فى فهرست السنة التاسعة على سبيل المثال مقالات عن الآلة فى مجالات الصرافة والكاتبة والميكانيكية والاختراعات الميكانيكية، والأدوية ومخترعوها، وأديسون والكهربائية، وأرشميدس وتاريخه، وأشعة رنتجن واستحضارها، والأعضاء الصناعية، والأمراض وتشخيصها من روائحها، وموضوعات أدبية وتاريخية كثيرة لا حصر لها نشرت فى أعدادها خلال تلك الفترة منذ مائة عام.
الحياة منذ مائة عام فى الهلال
"على أننا لو نظرنا فى أنواع التمدن على اختلاف العصور لما رأينا تمدنًا خلا من آفات ما زالت تنخر فى بدنه نخر السوس حتى أماتته، وذهبت بأهله إلى مهاوى الانحطاط. فقد كان من آفات التمدن المصرى القديم مثلًا استبداد الفراعنة والكهنة فى الشعب، واستعباده وتسخيره واستبقاؤه فى ظلمات الجهل. فأقاموا الجمعيات السرية حاجزًا بينه وبين العلم، فانحصرت المعرفة فى فئة الكهنة دون سائر الناس، فآل الجهل بهؤلاء إلى الانغماس فى عبادة الأحجار والأنصاب والتعويل على الخرافات والأوهام، وما عاقبة الجهل إلا السقوط". (الهلال، الجزء الرابع السنة العاشرة 15 نوفمبر سنة 1901 الموافق 3 شعبان سنة 1419 ص15).
ومن الأخبار العلمية التى نشرت على سبيل المثال فى الأعداد الأولى أيضًا نجد موضوعًا حول "تلغراف ماركونى" كملمح مهم ينسحب على معظم الاختراعات والابتكارات التى تمت خلال تلك الحقبة منذ أكثر من مائة عام: هو التلغراف بلا سلك الذى اخترعه ماركونى، وقد فصلناه فى الهلال غير مرة، وذكرنا استخدامه للمخابرة بين البواخر فى البحور أو بينها وبين الشواطئ. ووقفنا الآن على أول تجربة أجروها به فى البحر الأطلنطى أثناء أغسطس الماضى، فآثرنا نشرها مع رسم الباخرة والآلة فنقول: توصل هذا الاختراع حتى الآن إلى المخابرة به على مسافة خمسين ميلا بلا سلك ولا نحوه؛ فالبواخر السابحة فى البحر يمكنها المخابرة فيما بينها أو مخابرة البر على طول تلك المسافة. فإذا أصاب إحدى البواخر ضيق أو خطر وهى فى عرض البحر شغّلوا الآلة، فإذا كان على مسافة خمسين ميلا منها باخرة أو ميناء فيها مثل تلك الآلة وصلت الرسالة إليها، فيتخاطبون كما يتخاطبون بالتلغراف الاعتيادى تمامًا. وكيفية ذلك أنهم يفردون فى الباخرة حجرة خاصة بها الآلة (ج. ش. أ.) وينصبون فوق الحجرة سارية فى أعلاها قضيب مستعرض، بينه وبين الآلة أسلاك موصلة، فإذا اشتغلت الآلة فإن باخرة أخرى أو فى البر على الأقل من خمسين ميلا أحس القضيب فى أعلى السارية، فينتقل المجرى الكهربائى إلى الآلة فى حجرتها فيقرع جرسًا هناك، فينتبه العامل، فيتقدم لتلقى الرسالة كما يتلقاها عامل التلغراف الاعتيادى. أما التجربة التى أجروها فى الأطلنطى فهى أن الباخرة "لوكيانا" كانت قادمة من ليفربول إلى نيويورك فى أواسط أغسطس الماضى وفيها تلغراف ماركونى. وقبل وصولها إلى منارة هذه العامة بخمسين ميلا ضربوا الآلة على سبيل التجربة ضربات معلومة، فأجابوها من المنارة بمثلها. أرسل القبطان رسالة هذه ترجمتها: "نحن كلنا بخير، عدد الركاب 287، قادمين من سان هوك. الطقس هادئ، أظننا نصل نيويورك يوم السبت، أخبروا وكلاء الشركة"، ثم تبادلوا رسائل أخرى.
ولا يخفى أن منارة نيويورك بارخة قائمة فى عرض البر على مسافة 42 ميلا من نيويورك، فكأن الرسالة المذكورة أرسلت إلى نيويورك من مسافة 92 ميلا". (الهلال، المصدر السابق ص121).
ومن الأخبار العلمية حول "كوكب سيار جديد أبعد من نبتون" ينشر هذا العدد من الهلال خبرًا يقول: "تتفاوت السيارات فى بعدها عن الشمس، والمعول عليه اليوم أن نبتون أبعدها كلها، ومعدل بعده عنها 000ر889ر745ر2 ميل، ولكن الأستاذ فوربس الفلكى الشهير يرى من اختلاف لاحظه فى أفلاك ذوات الأذناب أن فى عرض الفضاء سيارًا أكبر من المشترى ويبعد عن الشمس 000ر430ر093ر10 ميل أى مئات ضعف بعد الأرض عنها". (الهلال، المصدر السابق ص123).
الخيال والعملية الإدراكية
وحول الخيال ودوره فى العملية الإدراكية عند الإنسان يقول عالم الفيزياء أينشتاين إن "الخيال أكثر أهمية من المعرفة". هذه المقولة التى أطلقها أينشتاين تنبئ عن الأهمية القصوى التى يحتلها الخيال فى حياتنا العامة والخاصة؛ فهو الذى يحركنا فى كافة الاتجاهات الإنسانية المطروحة أمامنا كى نحسن ونطور حياتنا العامة والخاصة، وهو الذى يؤهلنا لأن نختلق لأنفسنا حياة أفضل. والخيال هاجس ينمى مخيلة فكر الإنسان للأشياء فيسعى وراءها بكل الطرق والأساليب ليحقق ما يدور فى مخيلته بكل ما هو مستطيعه، وهو نوع من الشغف والبحث الداخلى عن الأفضل. والخيال موجود عند كل إنسان بصورة أو بأخرى، وغالبًا ما يجد المرء أن أفكاره فى الحياة اليومية تسير فى سلسلة من الأحلام المتخيلة حول أشياء قد يستطيع تحقيقها وقد لا يستطيع. والخيال موجود فى العلم والأدب والفلسفة والسياسة والاقتصاد وكل مناحى الحياة، ولعل معظم الاكتشافات الحديثة كانت نوعًا من الخيال، ولكنها سرعان ما تحققت بفعل الإرادة والعمل الخلاق المثمر.
ويرى فرويد أن الخيال يبنى حول عدة رغبات مكبوتة فى النفس، سرعان ما يكون متنفسها بمحاولة تحقيقها بشئ من الإرادة الصلبة والعمل المضنى حتى تتحقق. وكثير من الخيال البعيد حدث وتحقق من خلال التصدى له ومحاولة تحقيقه على المستوى الفعلى. والأدباء والعلماء والمفكرون لهم متخيلهم الخاص، وقد حدده لاكان بأنه ليس أكثر من "الشاشة التى تخفى شيئًا أساسيًا تمامًا، شيئًا محددًا فى وظيفة التكرار".
وبالنظر إلى كل ما تحقق فى جميع المجالات العلمية والأدبية والإنسانية، كان الخيال هو العامل الأساسى فيها. كما يلعب الخيال الإنتاجى عددًا من الأدوار فى فلسفة (كانط) وفقا لمتطلبات الأمر لعوالم الظواهر – العالم كما يظهر لنا – فى مجال نشاط ما يسميه الخيال الإنتاجى. دفع كانط، مستلهمًا فكرة الأسكتلندى ديفيد هيوم التى تقول إن الخيال يؤلف نتاج الإدراك الحسى، وأن الخيال يساهم فى تشكيل الكيفية التى نعايش بها العالم أمامنا. فالخيال فى هذا الدور يعمل فى خدمة الإدراك، فينشئ صورة للعقل من الأحاسيس المتنوعة؛ البيانات المختلفة للتجربة الحسية.
ويتجاوز كانط فكرة هيوم عن الدور التوليفى للخيال، فيقدم تمييزًا واضحًا للاستخدام الإنتاجى للخيال عن أى وظيفة توليدية بحتة؛ إذ يعرّف كانط الخيال بأنه "القدرة على الحدس دون وجود الشئ". ومع ذلك يشرح كانط فى كتابه "الأنثروبولوجيا من وجهة نظر برجماتية" (1798) أن الخيال يمكن أن يعمل بشكل توليدى أو إنتاجى؛ إذ يتيح لنا الخيال التوليدى إعادة توليد فكرة أو صورة أى شئ خبرناه بالفعل.
فهو، كما يقول كانط، "تصوّر مشتق". بالمقابل، ينتج الخيال الإنتاجى "تصورًا أصليًا"؛ مما يجعل أى تجربة لشئ ما ممكنة فى المقام الأول.
وفى كتابه الرائد "نقد العقل المحض" (1781)، تناول كانط إدراكنا للأشياء، أو تصورنا وفهمنا للأشياء فى العالم. وقد زعم أن العديد من قدراتنا المعرفية – الوعى الحسى، والفهم، والمنطق – تعمل معًا لإعطاء شكل متماسك للتجربة الظاهراتية، أو للعالم كما يظهر لنا. أما كيف يكون العالم فى حد ذاته بعيدًا عن هذه المظاهر، فهذا ما لا يمكننا أن نعرفه. وقد شبه كانط هذا بـ"ثورة كوبرنيكوس" أعظم علماء عصره، حيث زعم كانط أن الواقع يظهر لنا بالصورة التى يبدو عليها بفعل هيكلة العقل له على هذا النحو؛ فإحساسنا بالواقع مصمم وفقا لنظامنا المعرفى الخاص". (الخيال، جينيفر جوزيتى – فيرينسى، ترجمة عبد الفتاح عبدالله، مؤسسة هنداوى، المملكة المتحدة، 2017 ص53/54/55).
فمهما امتلأت جعبة الإنسانية بمخرجات العلم والمعرفة، ومهما استحدث العلم من النظريات والمعارف التى يحتاج إليها الإنسان، فلا يمكن أن يستغنى عن الخيال، لأن الخيال هو المحرك الرئيسى لسطوة العقل الذى يدير مظاهر التكنولوجيا التى ينجزها الإنسان، فهو الذى يفكر ويستنبط ويجرب ويحلل ويستخرج النتائج التى يحتاج إليها الإنسان فى حياته العامة والخاصة.
وتُعتبر مدرسة الذكاء الاصطناعى لا تختلف كثيرًا عن السيريالية أو التجريدية؛ فقد اعتمد كلاهما على الخيال فى طرح ما يتفوق به العقل من رؤى تجاه الذكاء بأسلوب عفوى تجريدى، لكنه مقنن فنيًا. ومع كل ثورة معرفية عاشتها البشرية، كانت الثقافة دائمًا هى بؤرة هذه الثورة ومحور التحولات نحو الابتكار وطرح كل جديد يفيد الإنسان. واليوم يقف الذكاء الاصطناعى أمامنا ليس كأداة تقنية فحسب، بل كقوة قادرة على تشكيل المجتمع والهوية والمستقبل.
لقد كانت الأجيال فى القدم تعتمد على التوثيق اليدوى وما تحفظه الذاكرة من مهارات، وهى وسائل مرهقة ومحدودة فى الاعتماد عليها للوصول إلى مستقبل هذه الأجيال. والمستعرض لهذا الطرح مما كان فى الأزمنة القديمة يستطيع التعرف على ما يحدث الآن من متخيل جديد يتواجد فى كافة أنشطة الحياة ومخرجاته. وفى عالم يتسارع فيه التقدم التكنولوجى، أصبح الحديث عن الذكاء الاصطناعى لا غنى عنه، وأصبح الذكاء الاصطناعى واحدًا من أكثر المجالات إثارة للاهتمام فى عصرنا الحالى؛ إنه مجال يتيح للبشرية استكشاف قدراتها فى تطوير أنظمة ذكية قادرة على التفكير والتعلم واتخاذ القرارات بطريقة تشبه ما يفعله الإنسان على مدار يومه بالتمام والكمال.
ويتمثل الهدف الأساسى للذكاء الاصطناعى فى جوهره تمثيل الذكاء والتفكير البشرى من خلال الأنظمة الآلية، ومع ذلك، فإن تعريف الذكاء الاصطناعى لا يقتصر فقط على محاكاة القدرات العقلية البشرية، بل يشمل أيضًا تطوير أنظمة رقمية قادرة على تحليل البيانات الضخمة بسرعة هائلة، واتخاذ القرارات المبنية على البيانات، وتحسين الأداء بمرور الوقت من خلال التعلم الآلى.
الذكاء الاصطناعى والثورة الرقمية
وفى المشهد الحالى للثورة الرقمية السائدة فى العالم الآن، نشهد حالة تكنولوجية غير مسبوقة فى عالم الذكاء الاصطناعى التوليدى من خلال ثورة هائلة قائمة على قدمٍ وساق فى مجالات الإبداع والتكنولوجيا تعيد صياغة الواقع الحالى بكل مكوناته، ليصبح هذا الواقع رهنا لواقع جديد يتيح للإنسانية فتح روافد جديدة لكل الإبداعات المتنوعة فى كافة المجالات العلمية والفنية والأدبية وغيرها، وإطلاق العنان للخيال الإبداعى القائم دون قيود أو حدود توقف تطوره وتشكيل عالمه الجديد.
وقد حقق هذا الذكاء الاصطناعى فى زماننا الحالى نتائج مبهرة لم تكن فى الحسبان، ولم تخطر على بال بشر؛ ففى كل يوم تظهر لنا آفاق نتائج جديدة تظلل هذا المارد الجديد. فما بالنا ماذا سيكون الوضع التكنولوجى والعلمى والثقافى بعد مائة عام؟
والإجابة على هذا السؤال تكمن فى قدرة العقل على الإجابة عليه بالوسائل غير المعتادة، طبقًا لما تظهر عليه النتائج المبهرة التى ظهرت بشائرها حتى الآن.
وفى قلب هذه الثورة الرقمية التى نشهدها اليوم، يتربع الذكاء الاصطناعى التوليدى كأحد أكثر المجالات إثارة للاهتمام، هذا الفرع المتقدم من الذكاء الاصطناعى لا يقتصر فى حد ذاته على تحليل البيانات واستخلاص النتائج فحسب، بل يمتلك القدرة الفريدة على إنتاج محتويات جديدة بطرق غير مسبوقة. سواء كنا نتحدث عن توليد النصوص، أو الصور، أو الموسيقى، أو حتى الفيديوهات، بل هو يفتح آفاقًا واسعة للأبداع والتطوير دون حدود يقف عندها.
حيث تكمن قوة الذكاء الاصطناعى، المعروف باسم الذكاء الاصطناعى التوليدى، فى استخدامه لتقنيات متقدمة للغاية، ونماذج رياضية معقدة لها قدرة كبيرة فى التعلم والاعتماد على البيانات المتاحة فى هذا المجال، ومن ثم توليد محتويات جديدة تتسم بالإبداع والدقة.
ومن بين هذه التقنيات نجد الشبكات العصبية التوليدية التنافسية (GANs) التى تسمح بإنشاء صور واقعية ومحتويات مرئية عالية الجودة. كذلك تلعب النماذج اللغوية دورًا محوريًا فى توليد نصوص معقدة ومترابطة، مما يتيح تطبيقات متعددة بدءًا من الكتابة الإبداعية إلى توليد المحادثات الآلية.
كما تشمل التطبيقات الشائعة للذكاء الاصطناعى التوليدى إنشاء الروبوتات الكاتبة التى لها قدرة خلاقة على كتابة المقالات والنصوص الإعلانية، وتصميم الصور الفوتوغرافية والرسومات، وتأليف الموسيقى والأغانى، وإنشاء الشخصيات الافتراضية والعوالم الرقمية، بل وتتجاوز قدراتها إلى تقديم تحليلات متقدمة للصور أو أجزاء منها، مما يوفر رؤى جديدة غير متوقعة.
كما تستطيع هذه الأنظمة الذكية التوليدية إنتاج محتوى يتفوق فى بعض الأحيان على ما ينتجه البشر وبجودة كبيرة. هذا التحول الجذرى يسهم فى إعادة تعريف الحدود بين ما هو ممكن تقنيًا وإبداعيًا.
من هذا الوصف نستطيع أن نقول إن الذكاء الاصطناعى التوليدى مجالًا مثيرًا للابتكار والتطور والفاعلية، حيث يمثل قدرة الآلات على التفاعل الإبداعى، مما يعزز قدراتها على تحقيق كل جديد فى مجال الإبداع لم يكن فى الحسبان، والتفاعل بطرق مبتكرة جديدة مع العالم الرقمى المتطور شكلا ومضمونًا، كما يفتح فى نفس الوقت آفاقًا جديدة للمستقبل القريب والبعيد فى تحديث كل طرائق الحياة فى كافة مجالاتها الإنسانية.
الإدراك الإنسانى بماهية الوعى
فمنذ بداية عصر العلم الحديث، واجه العلماء والفلاسفة تحديًا فى فهم ماهية الوعى والإدراك الإنسانى، ذلك الكنز الملغز الغامض الذى ينبع من تداخل بلايين الخلايا العصبية فى الرأس البشرية، بهذا التعقيد الكونى الفريد، هو ليس مجرد شبكة كهربائية أو معالج بيانات بيولوجى، بل هو بوتقة تنصهر فيها التجارب الذاتية، والمشاعر الحسية الحية، والوعى العميق بالذات والعالم.
إن التيارات الكهربائية والكيميائية التى تندفع عبر الخلايا العصبية لا تنتج مجرد إشارات، بل تولد تجربة وجودية حية فريدة لا يمكن اختزالها أو محاكاتها بواسطة أى نظام حوسبى، مهما بلغ من القوة أو التعقيد.
فى المقابل ظهر الذكاء الاصطناعى كنتاج منطقى لتقدم علوم الحوسبة والرياضيات والإحصاء، حيث تعتمد برمجياته على تحليل كميات هائلة من البيانات.
وفى منتصف القرن العشرين بدأ الحلم بتجسيد الذكاء البشرى داخل الآلات يتحول إلى واقع ملموس، وفى هذا العقد شهد العالم ولادة مفهوم الذكاء الاصطناعى بفضل أبحاث الرائدين ألان تورينج وجون مكارثى؛ كان تورينج بعقله الباهر قد وضع أساس الفكرة من خلال اختباره الشهير الذى يحمل اسمه والذى طرح سؤالًا فلسفيًا وتقنيًا: هل يمكن للآلة أن تظهر ذكاء يضاهى ذكاء البشر؟ كان هذا السؤال بمثابة الشرارة الأولى لعصر جديد من الابتكارات التى شهدها هذا العقد من الزمان.
ومع بداية الستينيات بدأت أبحاث الذكاء الاصطناعى تتبلور بشكل أكثر تنظيمًا، ومع حلول السبعينيات بدأ الواقع يتكشف عن تحديات وتوقعات العلماء المتفائلة. وفى الثمانينيات تجدد الأمل بظهور التعلم الآلى والشبكات العصبية، هذه الفترة شهدت تطور نماذج وخوارزميات جديدة مكنت الحواسيب من التعلم من البيانات وتحسين أدائها بمرور الوقت.
ومع دخول التسعينيات بدأت التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعى تبرز فى مجالات عدة، بدأت معها الشركات الكبرى تدرك أهمية الذكاء الاصطناعى مما أدى إلى زيادة الاستثمارات فى هذا المجال، وظهور ابتكارات جديدة تسهم فى تحسين الحياة اليومية.
حدث هذا اليوم، فماذا سيحدث بعد مائة عام من الآن فى خضم ما يدور من مستجدات دائرة على قدمٍ وساق فى هذا المجال الحيوى الذى سيقلب وجه الحياة رأسًا على عقب؟
أعتقد أن الخيال ربما يعجز على توصيف هذه المرحلة القادمة من الزمن، ومما سيحدث فيها من أمور وأحداث، وربما الذكاء الاصطناعى نفسه سوف يقول لنا ببساطة شديدة عما ستكون عليه وجه الحياة عام 2125. فربما ننتقل من الحياة على الأرض إلى الحياة فى الكواكب الأخرى، أو فى أعماق البحار والمحيطات. والسيناريو الأكثر احتمالًا هو أن البشر سيطورون ذكاء اصطناعيا خارقا من شأنه أن يحل جميع المشاكل المتبقية ويحول حياة البشر أكثر سهولة وسعادة، ولكن ينبغى أن يُبنى هذا الذكاء الاصطناعى بعناية، لأنه ينطوى على إمكانية مساعدة البشرية أو إلحاق الضرر بها. وفى هذه الحالة سيعيش الجميع فى واقع افتراضى له خصوصيته فى التعامل.
وستكون الحياة بعد مائة عام مختلفة تمامًا عما هى عليه الآن من نواحٍ كثيرة، وأعتقد أن أكبر التغييرات ستكون مرتبطة ارتباطًا كبيرًا بالتكنولوجيا والعلوم فى كافة المجالات. وستظهر الكثير من التغييرات الإيجابية نتيجة التأثيرات التكنولوجية على حواس الإنسان التى من المتوقع أن تحدث ثورة فى أسلوب الحياة.
ستكون الحياة بعد مائة عام حياة جديدة للأجيال القادمة التى ستكون عليها أن تكون على مستوى الحالة والحياة والتقدم. ومع ما نشاهده الآن من تطورات هائلة فى جوانب علمية تطال جميع ممارسات الحياة، فالأمر بعد مائة عام سيكون مثار خيال لا يمكن التكهن به، لأنه فوق قدرات الإنسان الحالى أمام ما نشاهده على المستوى العلمى المعاصر.