منذ أن خط الإنسان أولى إشاراته فوق الصخر، كانت رغبة الاكتشاف هي المحرك الأعظم لمسيرته الحضارية. واليوم، ومع كثافة التحولات التقنية وتداخل العوالم المادية والافتراضية، تزداد حاجتنا إلى قراءة المستقبل من منظور حضاري عميق يوازن بين التقدم العلمي والهوية الإنسانية. وفي هذا المقال، أقدم رؤية استشرافية تمتد لمائة عام قادمة، تستند إلى خبرة الإرشاد السياحي وإلى قراءة واعية للحضارة المصرية القديمة، بوصفها أحد أهم مصادر الفهم الإنساني للتاريخ والمستقبل.
عندما نفكر في المستقبل بعد قرن من الزمان، فإننا نخطو خطوة داخل مساحة غير مأهولة من الخيال العلمي والاحتمالات المفتوحة؛ فالحاضر نحياه بكل تفاصيله، والماضي ندرسه ونحلله، أما المستقبل فهو الكيان الأكثر غموضاً والأشد إثارة. ومع ذلك، فإن الإبحار في الزمن ليس مستحيلاً إذا امتلكنا مرآة صافية ننظر من خلالها، وهذه المرآة هي الحضارة المصرية القديمة التي منحت البشرية أول تصور منظم لمعنى الزمن والخلود.
قد يقرأ أحد أحفادي هذا المقال بعد مائة عام، وربما يتحول إلى وثيقة تُدرس بوصفها رؤية من الماضي. وإن حدث ذلك، فسيقرأ القارئ المستقبل كما نقرأ اليوم برديات المصريين القدماء، فيكتشف أن الإنسان مهما اختلفت تقنياته وتغيرت مدنه، يظل يحمل نفس الشغف، ونفس الخوف، ونفس السؤال الأبدي: ماذا يخبئ لنا الغد؟
إن المرشد السياحي الذي يجوب المعابد ويشرح النقوش ويستعرض قصص الملوك والكهنة، لا يرى القديم مجرد ماضٍ جامد، بل يراه قوة حية تتحرك داخل كل عصر؛ لذلك، فإن تخيل شكل العالم في سنة 2126 لا يمكن أن يكون بعيداً عن فهم ما بناه المصري القديم قبل آلاف السنين؛ فالحضارة المصرية هي الجسر بين الأزمنة.
لقد كان المصري القديم أول من أدرك أن الحضارة مشروع طويل الأمد، ولذلك بنى الأهرامات لتواجه الزمن، وسجّل حياته اليومية على الجدران، وابتكر نظاماً إدارياً معقداً، ووضع تقويماً فلكياً يعد من أدق ما عرفته الإنسانية؛ حيث إنه لم يفكر في سنة أو عقد، بل فكر لقرون. وهنا يكمن الفارق بين حضارة تشيد للمستقبل، وحضارات لا تتجاوز أعمارها أعمار أصحابها.
فلو تأملنا ذلك بعمق، سنجد أن الكثير مما يتوقعه العلماء لعام 2126 كان موجوداً في صورته الأولى في مصر القديمة منذ آلاف السنين؛ فإذا كانت مدن المستقبل ستدار بالطاقة الشمسية، فإن المصري القديم هو أول من قدس الشمس، وفهم دورتها وأهميتها، وجعلها جزءاً من هندسته المعمارية. وإذا كانت البشرية ستعيش في مدن ذكية تعتمد على التخطيط الدقيق، فإن أول مدينة مخططة في التاريخ وُجدت في مصر هي مدينة (أون) مركز العلم والفلك.
من الأسئلة التي تُطرح كثيراً عند الحديث عن مستقبل العالم سؤال جوهري: هل ستختفي مهنة المرشد السياحي؟
قد يبدو السؤال مبرراً في عصر تتسارع فيه التقنيات الحديثة، ولكن الحقيقة التي يدركها كل من يعمل في هذا المجال أن الإرشاد السياحي ليس وظيفة معلوماتية، بل هو فن سردي، إنساني، فلسفي، عاطفي قبل أن يكون مهنة يمتهنها الإنسان.
قد يحمل سائح عام 2126 نظارة واقع معزز تعرض له شكل معبد الدير البحري قبل ثلاثة آلاف سنة، وربما يتبعه روبوت ذكي يشرح له تاريخ الملكة حتشبسوت، لكن هذا الروبوت لا يمكنه أن يمنح السائح الدهشة الإنسانية التي يخلقها المرشد، ولا حرارة السرد، ولا تلك القدرة العجيبة على تحويل الحجر إلى كائن حي؛ فالمعلومة يمكن للآلة أن تقدمها، لكن روح المكان لا ينقلها إلا إنسان.
ولذلك، فإن الإرشاد السياحي في عام 2126 لن يختفي، بل سيتحوّل إلى مهنة أكثر عمقاً، حيث يصبح المرشد أشبه بفيلسوف حضاري قادر على الربط بين العلم الحديث وعلوم الأجداد، بين الواقع الافتراضي والروح الإنسانية، بين تكنولوجيا المستقبل وتعاليم "ماعت" التي كانت ميزان الحق الذي حكم به المصري القديم الكون.
دعونا نتخيل شكل العالم في 2126 من وجهة نظر مرشد عاش حياته بين جدران المعابد والمقابر وعبق التاريخ وشموخ الحضارة:
فالمدن السكنية لن تكون المدن الأفقية كما نعرفها الآن، بل ستتجه نحو التمدد الرأسي؛ ستقوم مدن عمودية كاملة ترتبط فيما بينها بجسور معلقة وممرات مضيئة، وستعمل هذه المدن بالطاقة الشمسية والهيدروجينية، وستعتمد على الذكاء الاصطناعي لإدارة المياه والغذاء والمرور.
أما بالنسبة للرحلات والسفر، فقد لا يعتمد الناس على الطائرات كما نفعل نحن اليوم، بل على مركبات خفيفة ترتفع عن الأرض بضعة أمتار وتسير عبر مسارات مغناطيسية. أما الرحلات البعيدة فربما تتم عبر محطات فضائية تشبه القصور المعلقة.
وما يتخيله العقل عن العلاج: ربما سينتهي عصر الأمراض التي نعرفها الآن، وستستخدم البشرية تكنولوجيا النانو والخلايا الجذعية لإصلاح الخلايا قبل أن تظهر الأعراض.
ويستعرض العقل التعليم وما سوف يكون عليه بعد مائة عام: فربما سوف يجلس الطلاب أمام فصول افتراضية، يتنقلون بين العصور عبر برامج تفاعلية، وقد يدرس طالب المستقبل المومياوات وهو يقف داخل مقبرة توت عنخ آمون بتقنية الهولوجرام.
أما السياحة، فسيكون بإمكان الإنسان زيارة الأماكن التاريخية والعيش فيها كما كانت في زمنها؛ بل سيتجول داخل طيبة أو منف القديمة، ويشاهد الكهنة يمارسون الطقوس، ويسمع أصوات الأسواق، ويرى النيل في موسم الفيضان كما وصفته البرديات.
ولكن وسط كل هذه التطورات، سيظل السؤال: أين يقف المرشد؟
الإجابة: المرشد سيقف في قلب المشهد، يفسر ويوجه ويربط الماضي بالمستقبل. سيصبح خبيراً حضارياً أكثر منه شارحاً للمواقع.
ولكن لماذا لا نتخيل ماذا لو عاد المصري القديم إلى حياتنا بعد مائة عام؟
لنتخيل المشهد: يركب المصري القديم سفينة الزمن ويهبط في وسط مدينة ذكية سنة 2126؛ سيرى طرقاً بلا سيارات، ومدناً بلا أعمدة كهرباء، وسماءً تتنقل فيها مركبات فضائية صغيرة، وعمارات تمتد كالجسور نحو الغيوم. سيشعر بالدهشة… لكن بعد دقائق قليلة سيربط ما يراه بما عاشه.
سيقول:
لقد فعل البشر ما أردناه نحن منذ آلاف السنين. لقد أكملوا الرحلة.
وربما ينظر إلى الأهرامات عبر شاشة هولوجرام، فيبتسم قائلاً:
ما زالت الأهرامات صامدة... إذن المستقبل يسير في الطريق الصحيح.
المصريون القدماء كانوا يسمون مقابرهم "بيت الخلود"، واليوم يخلد المصري القديم نفسه مرة أخرى عبر بصمته العلمية التي لم يطمسها الزمن. ولذلك فإن الإنسان في 2126 لن يندهش من التطور، لكنه سيندهش من أن البشر ما زالوا عاجزين عن بناء ما يضاهي الهرم الأكبر واكتشاف أسرار التحنيط.
إن قراءة المستقبل لا تعني الهروب من الواقع، بل فهم جذورنا الحضارية وإدراك أن الزمن سلسلة متصلة لا انفصال بينها. وإذا كان العالم يسير نحو طفرة تقنية هائلة خلال القرن المقبل، فإن استشراف المستقبل ليس تمريناً في الخيال بقدر ما هو قراءة واعية لجذور الحضارات الإنسانية ـ والحضارة المصرية القديمة خاصة ـ بما قدمته للعالم من علم وفكر ونظام. فهي ليست مجرد ماضٍ يُروى، بل هي مستقبل يعاد اكتشافه كل يوم. وإذا كان العالم في عام 2126 سيشهد قفزات علمية هائلة، فإن روح المصري القديم ستظل حاضرة، ملهمة وموجهة.
أما الإرشاد السياحي فسيظل مهنة تحمل شرارة المعرفة الإنسانية، وستبقى حلقة الوصل بين الماضي الذي صنعه الأجداد والمستقبل الذي سيشيده الأحفاد. بل سيظل المرشد السياحي هو عين الحضارة ولسانها وروحها، وهو جسر الزمن الذي يصل الماضي بالمستقبل، ويحوّل زيارة أثرية إلى تجربة إنسانية كاملة.