كيف يمكن أن نرى مستقبل الأدب، وخاصة الرواية، في العالم بشكل عام ومصر بشكل خاص، بعد موجات ما بعد الحداثة ودخول الذكاء الاصطناعي على الخط في السنوات الأخيرة؟ هل سيصبح الذكاء الاصطناعي لاعبًا أساسيًا؟ وهل ستتغير موضوعات الكتابة مع الأجيال القادمة؟ وهل ستكون هناك أعمال جمعية؟ وهل ينجح العرب والمصريون في تقديم رؤية جديدة؟ وما أهم المآخذ على الذكاء الاصطناعي حاليًا في هذا النوع من الإبداع؟.
كان هذا هو السؤال الأول الذي سألته لنفسي حين طلب مني رئيس التحرير الكاتب الكبير طه فرغلي أن أكتب عن مستقبل الرواية بين ما بعد الحداثة والذكاء الاصطناعي، وهو سؤال يلامس قلب التحولات الجذرية التي تعيشها الكتابة السردية الآن. ومن المهم أن نتساءل أولًا: هل الذكاء الاصطناعي أداة أم شريك؟.
هذه بداية جيدة لننطلق منها؛ فالذكاء الاصطناعي لن يصبح «لاعبًا أساسيًا» بالمعنى الإبداعي العميق، لكنه سيكون محفزًا للتجريب وأداة للكتّاب الذين يعرفون كيف يوظفونه. التجارب الحالية تكشف حدوده الواضحة، إذ يمكنه محاكاة الأنماط، لكنه يفتقد التجربة الإنسانية الحية التي تولّد الأدب الحقيقي. الكتابة الأدبية في جوهرها تحويل للألم والفرح والحيرة والوعي إلى لغة، وهذا ما لا يمتلكه الذكاء الاصطناعي.
ولذلك يمكننا الحديث عن تحولات الموضوعات والأشكال في الرواية؛ فحتماً ستكتب الأجيال القادمة عن الهوية الرقمية، والانفصام بين الذات الفيزيائية والرقمية، وعن أزمات المناخ والهجرات القسرية كتيمات مركزية، وعن إعادة تعريف الإنسانية في عصر التقنية الحيوية والذكاء الاصطناعي، وعن الوحدة الجماعية (أن تكون كائنًا وحيدًا رغم الجماعة التي تحوطك)، وعن العزلة الفردية رغم فرط الاتصال.
الشكل الروائي نفسه سيتطور؛ فقد نشهد روايات تفاعلية، ونصوصًا هجينة تجمع الكود والسرد، وأعمالًا متعددة الوسائط. لكن الحاجة إلى السرد الخطي العميق ستظل قائمة؛ فالبشر يحتاجون إلى القصص التي تمنح معنى لفوضى الحياة.
كما ستزدهر الكتابة الأدبية الجماعية والمشروعات التعاونية، خاصة في المساحات الرقمية، لكن التجربة تثبت أن الأعمال العظيمة تولد عادة من رؤية فردية متماسكة. الكتابة الجماعية ممتازة للتجريب واستكشاف إمكانيات جديدة، لكن العمق الأدبي يحتاج إلى صوت واحد متفرد.
مستقبل الرواية العربية والمصرية
العالم العربي، ومصر تحديدًا، يملكان فرصة ذهبية لتقديم رؤية بديلة تتجاوز النماذج الغربية لما بعد الحداثة. فالتراث السردي العربي الضخم (ألف ليلة وليلة، والسير الشعبية، والمقامات) يوفر أساسًا لتجريب معاصر أصيل. المشكلة ليست في نقص الإبداع، بل في مجموعة من الفجوات التي يمكن ردمها خلال السنوات القادمة، وهي تحديدًا ضعف البنية التحتية للنشر والترجمة، ومحدودية النقد الأدبي الجاد الذي يؤسس لمدارس وحركات، وغياب المساحات الآمنة للتجريب الجذري. فهناك روائيون قدماء مثل سيد الوكيل ومحسن يونس ويوسف نوفل وغيرهم كثيرون، وهناك ما بعد الحداثيين مثل أحمد ناجي، ومحمد ربيع، ومنصورة عز الدين، يقدمون بالفعل رؤى حديثة، لكنهم يحتاجون إلى بيئة أكثر دعمًا، وإلى مساحات تسمح بحرية الحركة الأدبية والفنية والفكرية.
المآخذ الجوهرية على الذكاء الاصطناعي إبداعيًا
دعونا نلقي نظرة فاحصة على الفجوات في التعامل مع الرواية الصادرة عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي؛ فهناك، على سبيل المثال، الافتقار إلى الخصوصية، فالنصوص المولّدة بالذكاء الاصطناعي تبدو «صحيحة» لكنها عامة، وتفتقد التفاصيل الشخصية الغريبة التي تصنع صوتًا أدبيًا فريدًا. كما أن هناك أيضًا السطحية العاطفية؛ فهو لا يملك تلك المشاعر البشرية، فإن كان يمكنه وصف الحزن، فإنه لا «يعرف» الحزن، وهذا يظهر في اللغة التي تبدو مصطنعة عند اللحظات الحرجة.
كما أنه دائم الاعتماد على الأنماط السائدة، فيعيد إنتاج ما هو موجود، مما يعزز الهيمنة الثقافية للأعمال الأكثر انتشارًا، والتي هي في معظمها غربية، مما يخلق حالة من الانحياز يمكن رؤيتها بسهولة.
إضافة إلى ذلك، هناك تهديد التفرد اللغوي؛ إذ لا يمكنه التعامل مع فرادة اللهجات، والتعابير المحلية، والإيقاعات الخاصة بثقافة معينة، فكل هذا يتم تسطيحه. ولا يمكننا أن نتجاوز المسألة الأخلاقية: من يملك الحقوق؟ وكيف نحمي أصوات الكتّاب الأصليين من السرقة الخوارزمية؟
يمكنني القول إن المستقبل ليس صراعًا صفريًا بين الإنسان والآلة، بل مساحة معقدة من التفاوض. الكتّاب الذين سينجحون هم من يفهمون أن الأدب العظيم يولد من الضعف الإنساني، لا من الكفاءة التقنية.
مصر والعالم العربي يحتاجان إلى الاستثمار في المترجمين، والناشرين المستقلين، ومنصات النقد الأدبي الجاد، أكثر من حاجتهم إلى أدوات الذكاء الاصطناعي.
إضافة إلى ذلك، تبرز أسئلة في غاية الأهمية: هل ستتأثر الرواية بكمّ المعلومات والمعرفة الهائل؟ وهل يمكن لجوائز نوبل والبوكر أن تحددا شكل الكتابة القادمة؟ وهل سيشكل التجريب دائمًا الموقف؟ دعونا نبحر مع هذه الأفكار.
المعرفة الهائلة والجوائز الكبرى: بين التشكيل والتمرد
كمّ المعلومات نعمة ملتبسة؛ فالوصول الفوري إلى كمّ هائل من المعلومات سيُحدث تحولًا جذريًا في كيفية البحث والتوثيق، لكن ليس بالضرورة في جوهر السرد. دعوني أوضح هذا التناقض: الجانب الإيجابي هو أن الروائيين اليوم يمكنهم بناء عوالم أكثر تعقيدًا من خلال إثراء النسيج الروائي عبر نماذج السرديات الكبيرة التي يمكنها دعم الروائي معرفيًا ومعلوماتيًا بشكل يفوق الوصف. أما الجانب السلبي فيمكن رؤيته في قلق التحقق المفرط لدى الكتّاب؛ فبعضهم يصاب بشلل البحث، ويضيع في التفاصيل بدلًا من الكتابة. كما يمكن أن يعانوا من تسطيح الغموض، إذ إن الأدب العظيم يزدهر أحيانًا في المناطق الرمادية، والمعرفة الحاسمة قد تقتل الغموض الخلاق. وقد يحدث أيضًا نوع من التنميط المعرفي، حيث إن الاعتماد على المصادر نفسها (ويكيبيديا، ومحركات البحث) يخلق تشابهًا في المرجعيات. والأهم من ذلك كله أن كمّ المعلومات لن يغير حقيقة أن الرواية العظيمة لا تُبنى على المعلومات، بل على الحكمة، والحكمة تأتي من هضم التجربة الإنسانية، لا من تجميع البيانات.
جوائز نوبل والبوكر: سلطة أم انعكاس؟
هنا نصل إلى سؤال محوري عن علاقة القوة بين المؤسسة الأدبية والإبداع؛ فالواقع الحالي يقول إن نوبل والبوكر (وخاصة الدولية) تُشكِّلان بالفعل اتجاهات الكتابة، لكن بطريقة غير مباشرة. وعلى سبيل المثال، إذا قمنا بإجراء تحليل لأنماط النشر، يمكننا ملاحظة أن الناشرين يبحثون عن مخطوطات «تشبه» الأعمال الفائزة، وأن الكتّاب الطموحين يدرسون أنماط الفائزين، وأن المترجمين يعطون أولوية للأعمال التي تحمل جينات البوكر الوراثية أو «DNA البوكر»، بينما برامج الكتابة الإبداعية تُدرِّس نماذج الفائزين. إن هذه التحليلات المتواضعة تخلق أنواعًا من دوائر التعزيز الذاتي؛ فالجوائز تكافئ أسلوبًا معينًا، والناشرون يروِّجون هذا الأسلوب، والكتّاب الجدد يحاكونه، والجوائز تجده «مألوفًا» فتكافئه. نعم، هذه المجموعة من الدوائر الصغيرة هي التي تحدد حقيقة الأدب في أثناء فورات خروج الجوائز إلى «نور» الإعلام، ومن ثم إلى عقول الناشرين والكتّاب، والجوائز الجديدة والصغيرة تجده متألقًا فتندفع نحوه. إن هذا أشبه بقطرات المطر التي تسقط في النهر فيجرفها معه. هذا هو السيناريو الذي يمكن تمييزه غالبًا بدرجات أعلى أو أقل، وهو أمر شبيه بصناعة الموضة والأزياء. نعم، صديقي العزيز، يمكن ملاحظة كل ذلك بسهولة.
الإشكاليات
يمكنك أن تلاحظ هنا أيضًا ما يُعرف بالهيمنة الأنجلوفونية؛ فرغم «عالمية» البوكر الدولية، فإن معظم الفائزين يكتبون بطريقة تُترجم جيدًا إلى الإنجليزية، وهذا يعاقب الخصوصية اللغوية التي لا تُترجم بسهولة. كما يمكنك ملاحظة نوع من المركزية الأوروبية؛ فنوبل تاريخيًا تُفضِّل رؤية أوروبية معينة للأدب. انظر كم استغرق الأمر لتكريم كتّاب أفارقة أو آسيويين بشكل عادل. ويمكنك أن تلاحظ أيضًا «الأدب الجاد» معيارًا؛ فالجوائز تعزز فكرة أن الأدب يجب أن يكون كئيبًا، واقعيًا-سحريًا بحذر، ويتعامل مع قضايا كبرى بطريقة محددة. هذا يُهمِّش الأنواع الأخرى (الخيال العلمي، الرعب، الروايات الشعبية، المغامرات، الأعمال بلهجات عامية… إلخ).
الحالة العربية والمصرية
في مصر والعالم العربي يصبح الوضع أكثر تعقيدًا. فالبوكر العربية شكَّلت بالتأكيد توجهات النشر العربي، لكنها أيضًا فتحت مساحة للتجريب لم تكن موجودة، كما خلقت «سوقًا» للرواية المصرية والعربية، لكنها أيضًا عززت نمطًا معينًا من «الرواية الاجتماعية التاريخية الثقيلة». يمكنكم مراجعة عناوين البوكر خلال السنوات الماضية؛ فعلى سبيل المثال، فازت جوائز البوكر العربية خلال السنوات الماضية بروايات مثل «تغريبة القافر» (2023) التي تتناول تاريخ عُمان، و«خبز على طاولة الخال ميلاد» (2022) التي تستعرض المجتمع الليبي، و«دفاتر الورّاق» (2021) (تاريخية/اجتماعية)، و«بريد الليل» (2019)، و«حرب الكلب الثانية» (2018) التي تتناول قضايا اجتماعية وتاريخية عميقة، وتُعد من الأعمال التي تتجاوز الحدود الزمنية والاجتماعية. ليس ذلك فقط، ففي عام 2025 اشتملت القائمة القصيرة على أعمال مثل «ملمس الضوء» لنادية النجار (الإمارات) (وتطرح قضايا اجتماعية ووجودية)، و«ميثاق النساء» لحنين الصايغ (لبنان) (رواية اجتماعية)، و«وادي الفراشات» لأزهر جرجيس (العراق) (تاريخية واجتماعية). وحتى إذا ألقينا نظرة على جائزة كتارا القطرية، فقد تنوعت أيضًا الروايات الفائزة بين التاريخية والاجتماعية، ومن أبرز الفائزين في السنوات الأخيرة (2021-2025): رواية «366» لأمير تاج السر، و«أداجيو» لإبراهيم عبد المجيد، و«عمى الذاكرة» لحميد الرقيمي، و«يافي» لأحمد صابر حسين، و«سيفار» لسميرة بن عيسى، وتغطي موضوعات اجتماعية وتاريخية وسيرية، مع التركيز على الواقع العربي والقضايا الإنسانية. وتستمر الجائزة في تكريم الروايات التي تعالج قضايا اجتماعية عميقة وتاريخ الأمة. هكذا يمكنكم أن تلاحظوا الاتجاهات السائدة.
التجريب: المقاومة الأبدية
لا يمكننا أن نختلف على أن التجريب سيشكِّل دائمًا الموقف، لكن بشرط فهم ديناميكية معقدة؛ فهناك دورة محددة للتجريب والمأسسة تبدأ غالبًا بالتمرد، حيث يقوم كاتب بكسر القواعد (مثل جويس، وبورخيس، ومحفوظ في وقته)، ثم المرحلة الأولى: الصدمة والرفض، وهنا تقوم المؤسسة برفض العمل في البداية. ثم في المرحلة الثالثة يبدأ الاعتراف التدريجي، حيث يدافع بعض النقاد الجريئين عن العمل. ثم المرحلة الرابعة، وهي المأسسة، وهنا يصبح التجريب «كلاسيكيًا» و«اسكولاريًا»، ويُدرَّس في الجامعات. وفي المرحلة الأخيرة يبدأ التمرد الجديد، فهناك جيل جديد يرفض هذا «التجريب المؤسسي». والمفارقة هنا أن نوبل اليوم تكافئ ما كان تجريبيًا بالأمس (مثل بيتر هاندكه، وأولغا توكارتشوك). لكن التجريب الحقيقي الحالي قد يكون في أماكن لا تراها الجوائز بعد، مثل الأدب الرقمي التفاعلي، والروايات التي تُكتب على منصات التواصل، والسرد عبر البودكاست، والنص الهجين الذي يضم أيضًا الصورة والكود.
التجريب العربي: أين الموقع؟
لنلقِ نظرة على هؤلاء الكتّاب العرب التجريبيين، مثل صنع الله إبراهيم، وإبراهيم عبد المجيد في بعض أعماله، ويوسف رخا، وأحمد ناجي؛ غالبًا ما يُهمَّشون من الجوائز الكبرى، لأن تجريبهم يتحدى القارئ بدلًا من «خدمته»، ويستخدم اللغة بطريقة لا تُترجم بسهولة، ولا يقدم «رسالة واضحة» عن «المعاناة العربية» التي تتوقعها لجان التحكيم الغربية.
عظيم، كل هذه مؤشرات للمستقبل، ولكن لدي سؤال أخير قد يتناقض مع كل ما قلته، سؤال يمكننا أن نسأله لأنفسنا: فازت سلوى بكر بالبريكس مؤخرًا، رغم أنها تقدم في أغلب أعمالها واقعية اجتماعية وصوتًا قويًا للمرأة. هل يؤشر ذلك إلى أن السرد الروائي لا يهتم بالتغيرات في السياقات المختلفة، وأن الشكل والموضوع يفرضان رؤيتهما، وبالتالي فلا مستقبل يمكن القول بأننا يجب أن نعمل عليه؟ طالما أن السياق التاريخي والاجتماعي سيفرض نفسه في الرواية، فلماذا علينا أن نفكر في مستقبل الرواية؟!
فوز سلوى بكر: إعادة قراءة العلاقة بين الشكل والمضمون
يمكن القول إن فوز سلوى بكر بالبريكس ليس تراجعًا، بل تأكيدًا لمبدأ آخر، ولا يعني أن السرد الروائي يتجاهل التغيرات، بل يؤكد حقيقة أعمق، وهي أن الصوت الأصيل والرؤية العميقة يتفوقان دائمًا على الموضة الشكلية. دعني أفكك هذا: إن ما تقدمه بكر فعليًا ليس واقعية تقليدية؛ لغتها تمتلك إيقاعًا شفاهيًا فريدًا، تلتقط العامية المصرية بطريقة لا تحاكيها، بل تُقطِّرها أدبيًا. هذا تجريب لغوي، وإن لم يكن راديكاليًا بمعنى جويس. الصوت النسائي المركّب: لا تكتب «عن» النساء من الخارج، بل تسكن أصواتهن بتعقيداتها، وهذا كان تجريبيًا في السياق المصري حين بدأت. فهي تتعامل، مثلًا، مع الهامش كمركز، حيث إن اختيارها المستمر للشخصيات المُهمَّشة (النساء في السجون، الطبقات الشعبية، المجنونات) كان موقفًا جماليًا وسياسيًا معًا. من هنا فإن هذا السياق مهم: لماذا الآن؟ فوزها في 2024/2025 يأتي في سياق إعادة تقييم عالمية للواقعية؛ بعد عقود من هيمنة الواقعية السحرية وما بعد الحداثة، هناك عودة للاهتمام بالواقعية الاجتماعية، لكن من منظور جديد، واقعية تعترف بالتعقيد، ولا تقدم حلولًا جاهزة. كما تمثل صعود أصوات الجنوب العالمي؛ فالبريكس جائزة تمثل محاولة لكسر الهيمنة الأنجلو-أوروبية. اختيار بكر يعكس تقديرًا للخصوصية الثقافية على حساب العالمية المصطنعة. كذلك هناك التعب من التجريب الشكلي الفارغ؛ فكثير من التجريب المعاصر يبدو تقنيًا بلا ضرورة قصصية. بكر تُذكِّر اللجان أن الحكاية العميقة المحكية بإتقان لها قيمتها. هنا، في الحقيقة، تبرز قيمة سلوى بكر: إعادة الاعتبار للتجربة الإنسانية بعمق يتفاعل مع اللغة دائمًا.
الشكل والموضوع: ليست ثنائية صارمة
هنا نصل إلى النقطة الجوهرية: الفصل بين الشكل والموضوع وهمٌ نقدي؛ فكل موضوع يحمل شكله المناسب. إن قصة سلوى بكر عن نساء السجن تتطلب لغة تلك النساء، وإيقاع حكيهن، وتفاصيلهن اليومية.
لو كُتبت بتجريب جويسي أو تشظٍّ بوست-مودرن، لفقدت صدقها. الخطأ هو الظن أن التجريب الشكلي متفوق دائمًا؛ أحيانًا يكون اختيار الوضوح السردي هو الموقف الأكثر جرأة في عصر يُقدِّس التعقيد.
المأخذ الحقيقي
مرة أخرى، أنا أحاول الرؤية مع القارئ ومع الكاتب؛ فهذا التفكيك يمكن أن يؤدي إلى رؤية أخطر. هنا لا بد من التحفّظ: إذا كانت جوائز مثل البريكس تكافئ فقط الواقعية الاجتماعية التقليدية، فهذا إشكالي.
الخطر هو أن ذلك قد يعمل على تثبيت صورة نمطية كالتالي: «الأدب من الجنوب العالمي = معاناة اجتماعية موثّقة بواقعية»، بينما يُترك التجريب والخيال والأشكال المعقدة للغرب. كما أنه قد يحدث تجاهل للتنوع؛ فالعالم العربي فيه أحمد ناجي، ويوسف رخا، وربيع جابر، وهدى بركات، وهي أصوات تجريبية تستحق الاحتفاء نفسه.
هل يؤشر ذلك إلى أن السرد الروائي لا يهتم بالتغيرات في السياقات المختلفة؟
لا، بل يؤشر إلى أن التغيير ليس خطيًا، وليس كل ما يأتي لاحقًا «أفضل» أو «أكثر تطورًا»، وأن التعددية ضرورية؛ فيجب أن تكون هناك مساحة لبكر ولناجي، ولمحفوظ ولإبراهيم، وأن السياق يحدد القيمة؛ فما فعلته بكر في السياق المصري له وزن مختلف عما قد يبدو عليه من الخارج.
وأن الشكل والموضوع يفرضان رؤيتهما؟
نعم، ولكن: الشكل والموضوع، عندما يتطابقان عضويًا (كما عند سلوى بكر)، يفرضان رؤيتهما. المشكلة حين يكون الشكل مستوردًا أو متكلفًا لمجرد إثبات «الحداثة». إن فوز سلوى بكر يذكرنا أن الأدب العظيم ليس سباق تسلح شكلي، بل قدرة على التقاط حقيقة إنسانية بالشكل الأنسب لها.
سؤالي الأخير
سؤالي الأخير الذي أطرحه وأجيب عليه: ذُكر أنني كنت أقرأ كاتبًا مصريًا منذ سنوات طويلة روايات للخيال العلمي كان يُسمّى نهاد شريف، وربما لم يعد أحد يتحدث عنه الآن. فهل يمكن القول إن التكنولوجيا لا تؤثر كثيرًا، بل إن القضايا الإنسانية هي الحامل الحقيقي لجوهر الأعمال الأدبية في المستقبل؟
نهاد شريف والسؤال الأبدي: التكنولوجيا أم الإنسان؟
نادرًا ما يُذكر نهاد شريف اليوم، رغم أنه كان رائدًا حقيقيًا للخيال العلمي العربي. لكن لماذا نُسي نهاد شريف؟ دعنا نقارن شريف بفيليب ك. ديك (كتبا في الحقبة نفسها تقريبًا). فقد كتب ديك عن أندرويدات وعوالم موازية، لكن روايته «هل تحلم الأندرويدات بخرافٍ كهربائية؟» باقية لأنها عن ماهية الوعي والتعاطف، لا عن الروبوتات. كما أن تقنيات ديك «قديمة» اليوم، لكن أسئلته الوجودية أبدية. هكذا إذن يمكن القول إن القضية الإنسانية هي القلب الباقي للرواية. الحقيقة الجوهرية تؤكد أن القضايا الإنسانية هي الحامل الحقيقي، والدليل هو الأعمال الباقية من الخيال العلمي.
«1984» لأورويل: التكنولوجيا فيها (التليسكرين، إعادة كتابة التاريخ) بدائية بمعايير اليوم، لكن الرواية حية لأنها عن السلطة، والحقيقة، وتشويه الذاكرة، وهي قضايا خالدة. إن رواية «الخادمة» لمارغريت آتوود لا تكنولوجيا متقدمة فيها، بل نظام اجتماعي قمعي، وهذا ما جعلها تتجدد مع كل موجة محافظة. رواية «اليد اليسرى للظلام» لأورسولا لو غوين تدور على كوكب بعيد، لكن موضوعها الحقيقي هو الجندر والهوية، لذا تُقرأ اليوم أكثر من وقت كتابتها.
انظر إلى الأمثلة القليلة التي تمثل الخيال العلمي العربي الناجح، والتي صمدت أو بدأت تُقرأ بجدية: رواية أحمد خالد توفيق «يوتوبيا»؛ نعم، فيها عنصر خيالي (مصر المنقسمة)، لكنها تُقرأ لأنها عن الطبقية، والتعاطف المفقود، والانفصال الاجتماعي، وهي قضايا تتفاقم اليوم. ورواية محمد ربيع «عطارد» تستخدم الخيال العلمي لاستكشاف الذاكرة الجماعية، والصدمة، والهوية المصرية بعد 2011.
إذن، المعادلة الصحيحة هي أن تعمل التكنولوجيا كعدسة؛ أي إن التكنولوجيا في الأدب يجب أن تكون عدسة مكبِّرة للقضايا الإنسانية، لا غاية بحد ذاتها. ومن أمثلة الأدب العالمي المعاصر أعمال مثل «كلارا والشمس» لإيشيغورو، عن روبوت، لكن الرواية تسأل: ما معنى الحب؟ وهل المشاعر «حقيقية» إذا كانت مبرمجة؟ ورواية «قوة الكلب» لدون دي ليلو، وبها تكنولوجيا مراقبة متقدمة، لكنها عن الخوف، وجنون العظمة، وتفكك المعنى في المجتمعات الحديثة.
إن الخطأ الذي وقع فيه شريف (ومعظم جيله) أنهم كانوا يشرحون التكنولوجيا بدلًا من توظيفها دراميًا؛ عبارات مثل «هذا الجهاز يعمل بالذرة وقادر على…»، بدلًا من «استخدم البطل الجهاز فكشف حقيقة مدمرة عن نفسه».
الخلاصة
الخلاصة العملية لمفهوم مستقبل الرواية أن التكنولوجيا تتقادم، ونهاد شريف الدليل الحي، وأن القضايا الإنسانية أبدية، كما لدى أورويل، وديك، ولو غوين الدليل. وأن الخيال العلمي الناجح يستخدم التكنولوجيا لتضخيم الأسئلة الوجودية، لا ليبهرنا بالأدوات. هذا ما لم ينجح فيه شريف بشكل كبير، لكنه يبقى رائدًا أبديًا للأدب العلمي، وهو ما نجح فيه العظماء. الوعي هو الطريق والمستقبل، أيًّا كان الشكل.
إن مستقبل الرواية سيحدده مدى الوعي، لا مدى الشكل؛ ستحدده القيمة الإنسانية، لا الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا؛ سيحدده الكاتب الإنسان بإدراكه لقضايا مجتمعه الحقيقية في أي عصر، لا العمق التكنولوجي للعصر؛ سيحدده ما يمكن أن نراه في قلب التكنولوجيا ومظاهر ما بعد الحداثة المتجددة من قيم إنسانية جديدة أو تقليدية.