أدَّى انتشار التكنولوجيا الرقمية الجديدة وشيوعها إلى تغيير الواقع الذي نعيش فيه، بحيث خلقت هذه التكنولوجيا واقعًا جديدًا. وقد نظر بعض الفلاسفة إلى هذا الواقع الجديد على أنه زائف ووهمي، مثل الفيلسوف الفرنسي جاي ديبور (1928 – 1994)، مؤلف كتاب «مجتمع الاستعراض».
لكن لم تكن التكنولوجيا الرقمية الحديثة قد ظهرت بعد في الوقت الذي ألَّف فيه ديبور كتابه (1967)، وكان آنذاك يفكر في عصر الإعلام الجماهيري الذي سيطرت عليه وسيلة أساسية هي التليفزيون، ولم يكن الكمبيوتر قد انتشر، واقتصرت استخداماته على الجوانب العلمية والفضائية والعسكرية. لكن يبدو أن ديبور كان يشعر أن الإنسانية على أعتاب عصر جديد، سوف تغيِّره وسائل الإعلام تمامًا وعلى نحو جذري. ولو كان ديبور يؤلِّف كتابه هذا الآن، لربما رجع عن رأيه في أن وسائل الإعلام الحديثة تخلق عالمًا وهميًا زائفًا وغير حقيقي، ولكان قد اعترف بأنها تخلق عالمًا بديلًا له حقيقته الخاصة به. كان ديبور يفكر بمنطق الحقيقة والوهم، وهو منطق ثنائي بسيط، وقد يكون ساذجًا الآن إذا استخدمناه في العالم الرقمي. وكان الأمر بالنسبة إليه، وفي سياق عصره، بسيطًا للغاية: الواقع الذي تقدمه وسائل الإعلام غير حقيقي، والعالم الحقيقي خارجها. لكن الآن لم يعد الأمر بهذه البساطة، فالتكنولوجيا الرقمية تخلق العالم الخاص بها، والذي يعود ليؤثر في العالم الحقيقي ويعيد صياغته.
ويبدو أن الخوف من الصورة ومن حلولها محل الأصل كان قديمًا قدم الأديان التوحيدية. ففي العهد القديم تحريم واضح للغاية لتصوير الإله في أي صورة من أي نوع: «لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلَهَكَ إِلَهٌ غَيُورٌ» (سفر الخروج 20: 4 – 5). وقد استمرت الأديان التوحيدية فيما بعد في التحريم نفسه. ودلالة تحريم الصورة أوسع من كونها وصية دينية أو تشديدًا توحيديًا، إذ هي في الحقيقة دعوة نحو عدم اللجوء إلى النسخة وإحلالها محل الأصل. كما أن صنع صورة أو تمثال لشيء، ثم إحلاله محل الشيء نفسه، هو طغيان للوسيط على ما يتوسطه، وهذه هي الدلالة الحقيقية للتحريم، أي ألا نُحِلَّ الوسيط محل الأصل. لكننا الآن دخلنا في عصر لم يعد فيه أصل نقيس عليه، وطغت الوسائط على الأطراف التي تتوسط بينها.
في هذا الوضع الجديد، يتغير الشرط الإنساني بالكامل، إذ لم يعد الإنسان يعيش في الطبيعة كما كان، بل صار يعيش في طبيعة ثانية مصطنعة هو الذي صنعها، ثم طغت عليه. وبذلك يحدث نوع من الجدل المعروف طوال التاريخ بجدل التحرر والهيمنة. فكلما صنع الإنسان شيئًا يحرره من سيطرة الطبيعة، انتهى به إلى أن فقد حريته لذلك الذي أراد منه أن يحرره. فقد اخترع الإنسان التكنولوجيا الحديثة كي تحرره من خضوعه للطبيعة، لكنه انتهى إلى خضوعه للتكنولوجيا، ومن ثم تحولت وسيلة التحرر إلى وسيلة هيمنة جديدة. وبذلك سيكون الشرط الإنساني الجديد، والمهمة الجديدة الملقاة على عاتق البشرية، هي السيطرة على أدوات السيطرة، أي التكنولوجيا الرقمية الحديثة. فقد سيطر الإنسان بالفعل على الطبيعة ولم يعد خاضعًا لها كما في السابق، لكن حلَّت التكنولوجيا محل الطبيعة، وصار الإنسان نفسه في حاجة إلى التحرر منها. ولكنني أخشى أن تكون السيطرة على التكنولوجيا بوسائل تكنولوجية أيضًا، ونظل بذلك أسرى لها. ربما يكون هذا هو السياق الجديد للتحرر، وهو مختلف عن السياقات القديمة، لكنه هو الحتمية الجديدة المفروضة على البشرية، والمختلفة تمامًا عن الحتمية الطبيعية. لم تعد هناك حتمية طبيعية متمثلة في قوانين الطبيعة القاهرة، بل صارت الحتمية تكنولوجية، وصارت هي الآن في حاجة إلى سيطرة واعية من الإنسان.