عندما نتخيل العالم في العام 2050، نتوقع تطورات هائلة وتحديات جسيمة؛ إذ إن وتيرة التغيرات أصبحت جدّ متسارعة عن ذي قبل. فمع تزايد عدد السكان، وتغير المناخ، والتقدم التكنولوجي المتلاحق، ستختلف الحياة اختلافًا جذريًا عن صورتها اليوم. ومع ذلك، سيلعب الابتكار البشري والتعاون العالمي دورًا حاسمًا في بناء مستقبل أفضل إلى حد كبير.
وباختصار، سيتغير العالم سنة 2050م، وسيكون مختلفًا تمامًا عن شكله اليوم، مع تطورات تكنولوجية كبيرة، يتبعها تغيرات اجتماعية هائلة. وفيما يلي أذكر تفصيليًا بعض هذه التوقعات.
التغير المناخي والبيئة:
التغير المناخي الحادث الآن أحد أكبر التحديات على كوكبنا؛ إذ إنه يؤدي إلى ارتفاع منسوب البحار، وزيادة الكوارث الطبيعية. ولطالما حذّر منه عالمنا الكبير الدكتور محمد عبد الفتاح القصاص (1921–2012م) – رحمه الله – على مستوى العالم من موقع عمله المهم السابق كعضو استشاري في برنامج الأمم المتحدة للبيئة منذ بدايته، وكرئيس للاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة (IUCN) لمدة طويلة.
وعلى الرغم من الوعود التي يقطعها السياسيون على أنفسهم في المؤتمرات التي يتصدرون فيها المشهد إعلاميًا وجماهيريًا، ستكون البيئة واحدًا من أكبر التحديات في عام 2050، إن لم يتم تدارك هذه المخاطر والعمل على حل مشكلاتها. ويتوقع العلماء – حال تجاهل المشكلات البيئية – أن ترتفع درجات الحرارة العالمية بمقدار من 1.5 إلى 2 درجة مئوية إذا لم نتخذ إجراءات حاسمة؛ مما سيؤدي إلى ارتفاع منسوب البحار وتفاقم الكوارث الطبيعية، كتعبير عن غضب الطبيعة من سوء سلوك الإنسان فيما مضى من قرن من الزمان.
وليس ثمة مفر من لجوء معظم دول العالم إلى الاعتماد بشكل كبير – إن لم يكن اعتمادًا كاملًا – على الطاقة الجديدة والمتجددة والاقتصاد الأخضر؛ وذلك لمواجهة التغير المناخي وتأثيراته الخطيرة المدمرة على الإنسان، إذا ما استمر يواصل سياساته غير الحكيمة في التعامل مع البيئة بالمنطق القديم.
وعلى هذا نتوقع أن يتم التوسع في تكنولوجيا الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والطاقة الكهرومائية؛ مما سيقلل من تلوث الهواء، وبذا يتزايد معدل التعافي المناخي، الذي ستكون له انعكاسات طيبة على طبيعة الحياة والأحياء على أرضنا، التي يمكن أن نصفها – حينئذ – بالأرض الطيبة، كما وصفتها الكاتبة الأمريكية الشهيرة بيرل بك Pearl Sydenstricker Buck (1892–1973م) في عنوان واحدة من أشهر رواياتها (The Good Earth)، التي كانت من أقوى أسباب حصولها على نوبل في الآداب سنة 1938م.
وسيتم استعادة الغابات من خلال برامج تشجير واسعة النطاق، وستعود للورق هيبته وسطوته، خاصة في التغليف وتصنيع حقائب السلع الاستهلاكية، كما ستساعد الروبوتات في تنظيف المحيطات من النفايات البلاستيكية، لتنتهي مشكلة التلوث البلاستيكي – إن صح هذا التعبير.
كما ستتيح لنا التقنيات الحديثة التقاط الكربون من الهواء وتخزينه تحت الأرض. أما المدن فستصبح أكثر خضرة، مع استحداث شكل جديد من الحدائق كالحدائق العمودية وغيرها. أما المباني والمنشآت فستكون مبانٍ ذكية، تنتج كل منها طاقتها الخاصة بالقدر الذي يسد حاجاتها الاستهلاكية.
وحينما يتحقق كل هذا سيأتينا الربيع مغردًا حافلًا بشقشقة الطيور وزقزقة العصافير، ولن يعود صامتًا كما وصفته العالمة والناشطة البيئية الأمريكية راشيل كارسون Rachel Carson (1907–1964م) في عنوان مؤلفها الخالد «الربيع الصامت» The Silent Spring، الذي دقت من خلاله ناقوس الخطر جراء العبث البيئي بسبب كثرة استخدام مبيدات الحشرات والآفات، التي تسببت في القضاء على كثير من الكائنات الحية صديقة البيئة.
تقنية الذكاء الاصطناعي:
أتوقع أن يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من حياتنا، حيث سيتحكم في معظم الأجهزة والأنظمة. وعلى هذا فسيتمكن الذكاء الاصطناعي من تحسين الصحة والتعليم والاقتصاد من خلال تطبيقاته في هذه المجالات بشكل شبه روتيني.
التكنولوجيا في الحياة اليومية:
بحلول عام 2050م، ستندمج التكنولوجيا بشكلٍ عميق في حياتنا اليومية. وسيصبح العمل عن بُعد أكثر شيوعًا، مما سيوفر من أوقات ونفقات الانتقال، وسيُسهم الذكاء الاصطناعي في تحسين المنازل والمدارس والمكاتب والمدن. وستكون المنازل الذكية مؤتمتة بالكامل (Automated)، حيث ستُعدّل الإضاءة ودرجة الحرارة ومعاملات الأمان وفقًا للمُرادات والتفضيلات الشخصية. وستساعد الروبوتات في الأعمال المنزلية، مثل الطبخ والتنظيف وترتيب المنازل، وظهورها في أبهى صورة.
الرعاية الصحية والطب:
ستشهد المجالات الصحية والعلوم الطبية طفرات هائلة بحلول عام 2050م. وسنجني ثمار التطور التكنوحيوي فيما يختص بالأحماض النووية التي تُصاغ بها وراثتنا؛ وعلى هذا، فسيستخدم الطب – على مستوى الأشخاص – الحمض النووي للفرد لابتكار علاجات أكثر فاعلية. وقد تُوجد حلول للعديد من الأمراض المستعصية حاليًا، مثل السرطان ومرض ألزهايمر وغيرهما من أمراض ظلت تهدد الإنسان منذ قرون بعيدة.
كما ستراقب الأجهزة الصحية القابلة للارتداء المظاهرَ والأعراض الصحية على مدار الساعة؛ ومن ثم فستُنبه الأطباء حال ظهور أية تغيرات تدل على وجود مشكلة صحية. وقد تُتيح تقنية النانو للروبوتات الدقيقة إصلاح الأنسجة التالفة داخل جسم الإنسان. إضافةً إلى ذلك، سيتم إنتاج أعضاء اصطناعية في المختبرات، مما يُسهم في حل مشكلة نقص الأعضاء؛ وذلك عن طريق تقنية الخلايا الجذعية التي ستصل إلى قدر كبير من التطور في ذلك الوقت، وتصبح من التقنيات والإجراءات الروتينية.
التعليم في المستقبل:
سيشهد التعليم تحولًا جذريًا بفضل الفصول الدراسية الافتراضية، والتعلم القائم على الذكاء الاصطناعي، وعندئذ فلن يحتاج الطلاب بعد الآن إلى الحضور إلى المدارس التقليدية بشكل منتظم يوميًا؛ بل سيتفاعلون مع معلميهم وزملائهم من مختلف أنحاء العالم عبر تقنيات الهولوجرام (Hologram techniques) والواقع الافتراضي.
كما ستساعد خطط التعلم طبقًا لاحتياجات الطلاب على التعلم بوتيرة تناسبهم، مما يجعل التعليم أكثر فاعلية. وبدلًا من حفظ الحقائق، سيركز المتعلم على الإبداع وحل المشكلات والتفكير النقدي. وستكتسب مواد حديثة مثل البرمجة، واستكشاف الفضاء، وعلوم البيئة أهمية قصوى.
استكشاف الفضاء واستعماره:
بحلول عام 2050م، لن يقتصر السفر إلى الفضاء على رواد الفضاء فحسب، فستعمل بعض الشركات العالمية والعابرة للقارات على تطوير تقنيات جديدة، قد يصبح معها السفر إلى الفضاء في متناول عامة الناس. ويتوقع العلماء أيضًا إمكانية إقامة مستوطنات بشرية دائمة على بعض الكواكب والتوابع، كالمريخ والقمر؛ مما يجعل استعمار الفضاء حقيقة واقعة.
هذا، وستواصل التلسكوبات المتطورة والروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي استكشاف الكون، وذلك بحثًا عن كواكب جديدة وأدلة أو علامات محتملة للحياة خارج كوكب الأرض. وقد يبدأ أيضًا التعدين الفضائي، مما قد يساعد على استخراج المعادن النادرة من الكويكبات الفضائية.
وسائل النقل والمواصلات:
نتوقع أن تتطور وسائل النقل والمواصلات بحيث تصبح أسرع وأكثر كفاءة، وستحل السيارات الكهربائية محل سيارات البنزين والديزل تمامًا، وسوف يتم استخدام القطارات فائقة السرعة بشكل متزايد، والسيارات ذاتية القيادة، بل والسيارات الطائرة ذات القدرة على اجتياز كل المجالات: برًا وبحرًا وجوًا.
تحديات المستقبل:
ومع كل ما تقدم مما ننشده من تطور على كافة الأصعدة والمستويات، فستظل التحديات قائمة. وعلى سبيل المثال، فمن المتوقع أن يصل عدد سكان العالم إلى حوالي 10 مليارات نسمة بحلول العام 2050م؛ مما سيزيد من الطلب على استهلاك عناصر البقاء والمأوى، كالغذاء والماء والسكن. ومن ناحية أخرى، قد تحل الأتمتة والذكاء الاصطناعي والروبوتات محل العديد من الوظائف التقليدية في معظم المجالات، وهو تحدٍ آخر يتطلب من الأفراد اكتساب مهارات جديدة، واستحداث وظائف أخرى.
بالإضافة إلى ذلك، ستصبح التهديدات السيبرانية مصدر قلق بالغ، حيث يستهدف المخترقون (Hackers) الأنظمة الحيوية. وستحتاج الحكومات إلى تدابير أمن سيبراني قوية لحماية البيانات الشخصية والوطنية. كما ستتطلب القضايا الاجتماعية والأخلاقية المستحدثة، والمتعلقة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات، إدارة جديدة دقيقة؛ لتتعامل بشكل فعّال مع كل ما يستجد من مشكلات وأزمات.
والخلاصة:
نخلص من كل ما سبق إلى أن العالم سيشهد في عام 2050 تحولًا جذريًا بفضل الابتكارات التكنولوجية، والجهود البيئية، واستكشاف الفضاء. وبينما ستظهر تحدياتٌ كالتغير المناخي وأتمتة الوظائف، فإن الإبداع البشري وقدرات حل المشكلات ستساعد في التغلب عليها. وسيكون المستقبل مزيجًا من الفرص الواعدة والمسؤوليات الجسام، وسيكون علينا ضمان أن تكون الحياة في عام 2050م أفضل للجميع.