حاول الكثير من الأدباء والباحثين رسم صورة للمستقبل وكيفية تطور عالمنا من خلال التكنولوجيا والتغيرات المجتمعية والتقدم العلمي. بعض هذه التوقعات حذّر من كوارث، وبعضها حذّر من هزائم عسكرية، وبعضها حاول استقراء مستقبل بعيد سعيد ينشأ على حطام مستقبل قريب بائس، وبعضها حذّر من صعود الدولة الدكتاتورية الشمولية.
ولطالما كان الأدب واحدًا من أكثر العناصر الملهمة لحركة التحديث في العالم، سواء على المستوى العلمي أو على المستوى الاجتماعي والثقافي. وأحد أوجه هذا التحديث يكون عبر خيال الأديب الذي يتنبأ بوقوع أحداث في مكان وزمان قد يبدوان خياليين، ليتضح لاحقًا أن خياله كان على حق. هذه الحالة تحققت في كثير من النماذج، سواء على المستوى العالمي أو حتى على المستوى العربي.
رعب “1984”
تحجز رواية "1984"، التي كتبها الأديب البريطاني جورج أورويل ونُشِرت عام 1949، مكانها في استقراء أحداث المستقبل.
رأينا في هذه الرواية صورةً لأنظمة شمولية ودكتاتورية ظهرت بالفعل في سنواتٍ لاحقة، ومارست مفهوم "الأخ الأكبر" عبر الرقابة والتنصت والتجسس على المواطنين. في المقابل، وصفت الرواية عدة تقنيات موجودة الآن في بعض الأشكال. على سبيل المثال، telescreen أو «شاشة الرصد»، وهو جهاز تليفزيوني ضخم يُستخدَم في مراقبة حيوات البشر، وقادر على التعرف على الأشخاص بناءً على الملامح ومعدل النبضات، وتستخدمه الحكومة لنقل المعلومات؛ أي إنه يشبه الهواتف الذكية التي تتعقب تصرفاتنا وتحركاتنا، وتمدنا بالمعلومات من كل أنحاء الكرة الأرضية. كما تناول أورويل آلة Versificator، التي تنتج الموسيقى والأدب بصورة تلقائية، تشبه بعض تقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة اليوم. وهناك أيضًا آلات Speakwrites المستخدمة لتحويل الحديث إلى نصوص مكتوبة. واليوم بات لدينا الكثير من أجهزة التسجيل، والتطبيقات الرقمية، وبرامج النسخ التي تقوم بالوظيفة ذاتها.
دولة البحر!
تزخر رواية ديفيد برين "الأرض" Earth، المنشورة عام 1990، بعدة توقعات عن عام 2038، حيث يتصور شيئًا يشبه الرسائل غير المرغوبة أو spams التي تغمر صناديق الوارد في البريد الإلكتروني، وانصهار المفاعل النووي في محطة الطاقة النووية اليابانية، والاحتباس الحراري.
في الرواية، تعاني الأرض في عام 2038 من ظاهرة الاكتظاظ السكاني، وتتقلص الموارد الطبيعية، ويصبح سكان العالم مهددين بمجاعة بسبب ظاهرة الاحتباس الحراري (حيث تكاد تختفي غابات الأمازون، ودول مثل بنغلاديش، ومدن مثل فينيسيا أمام ارتفاع سطح البحر)، مما أدى إلى لجوء الملايين ممن اختفت بيوتهم تحت المياه للتعايش في «دولة البحر»، وهي مجموعة من الدول العائمة التي تجوب البحار حول العالم، أو الهجرة إلى أماكن جديدة متاحة بسبب الانصهار أو الذوبان، مثل غرينلاند أو سيبيريا، بعد الحرب العالمية الثالثة ضد سويسرا (الناجمة عن سخط سكان العالم لكشفها عن حسابات الكثير من الشخصيات ورفض سويسرا إعادة هذه الأموال).
في هذا العصر، نعمل على تطوير نوع جديد من الطاقة يعتمد على خلقٍ اصطناعي لثقوب سوداء تعمل على إنتاج الطاقة، ولكنها تكون على غرار الطاقة النووية، حيث تعمل التكنولوجيا الحديثة على إيجاد وسيلة للتحقق من الاستخدام الآمن لها. يوجد في منتصف منطقة الأمازون مجموعة من الجنود البرازيليين ضد الدكتور الشاب أليكس لوستينغ، وذلك لتركيب محطة تجريبية. إلا أن البقعة السوداء تخرج عن السيطرة، وفي اليوم نفسه يتم استغلال محطة الفضاء الأميركية.
يكتب برين: «كان ثلاثة ملايين مواطن من جمهورية بنغلاديش ينظرون إلى مزارعهم وقراهم تنجرف أمامهم بعدما أطاحت الرياح الموسمية المبكرة بالسدود المبنية يدويًا، وحوَّلت بقايا الدولة الكسيحة إلى مملكة مستنقعات».
لاحقًا، ذكر برين أنه «بالغ في تأثير الغازات المنبعثة من الصوبات الزراعية في ارتفاع مستويات البحر في عام 2040». لكن بعض النماذج تفيد أن تصوره لم يجانب الصواب. كما توقعت الرواية بعض التطورات التكنولوجية، مثل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والكاميرات الرقمية عالية الجودة.
الوقوف على زنجبار
تُقدِّم رواية جون برانر «الوقوف على زنجبار» Stand on Zanzibar، المنشورة عام 1968، مفاجآتٍ وصدماتٍ بالجملة.
في الرواية، التي تُعدّ من كلاسيكيات أدب الخيال العلمي وتدور أحداثها في عام 2010، توقع برانر أن يصل تعداد سكان العالم إلى ما يزيد على 7 مليارات نسمة، وهو ما تحقق عام 2011، وفي الرواية أيضًا واجهت الحكومات تلك الأزمة باستخدام علم الوراثة لتُحدِّد من يمكنه أن ينجب.
وتظهر خلال أحداث الرواية اختراعات حديثة، مثل «الهواتف الجوالة» و«ويكيبيديا» و«جهاز كمبيوتر» بإمكانات متقدمة، وكذلك السماح للمؤسسات الإعلامية بالتفاعل اللحظي مع القراء، وهو ما تحقق في السنوات الأخيرة. تخيّل برانر في الرواية تشكيل الاتحاد الأوروبي، وتصاعد وتيرة الإرهاب العالمي، والقبول المتزايد لزواج المثليين، وتضاؤل استخدام التبغ، وتقنين الماريجوانا، ومكالمات الفيديو.
وخلال كثير من الروايات تناول الكاتب البريطاني قضايا مثل الذكاء الاصطناعي والسفر إلى الفضاء وغيرها؛ ففي روايته «استمع، النجوم» الصادرة عام 1962، تنبأ بجهاز مشغل الوسائط المحمولة، وحذّر من خطورة التلوث على مستقبل الأرض واحتمالية تعرضها لكارثة بيئية في رواية The Sheep Look Up الصادرة عام 1972، التي تُعد من أكثر رواياته تشاؤمًا.
عالم جديد شجاع
في عام 1932، نشر الكاتب البريطاني ألدوس هكسلي روايته ذائعة الصيت "عالم جديد شجاع" Brave New World. يمكن القول إنها من أكثر الروايات المبكرة في القرن العشرين التي تنبأت بشكل المستقبل وطبيعة الحياة فيه، من خلال إطار قصصي محكم يغلب عليه الخيال.
بشكلٍ ما، يبدأ القارئ، مع مرور الصفحات، في فهم رسالة هكسلي التحذيرية من هذا العالم، كأن أبطال الرواية أنفسهم يستغيثون بالقارئ من وراء الصفحات. يبدأ القارئ في إدراك أن هذا العالم الذي يبدو مثاليًا مصمم للمتعة والترفيه ولا شيء آخر، والخالي من كل أزمات الحياة التي يعيشها البشر، بدءًا من المرض ومرورًا بآلام الفراق، وليس انتهاءً بالمسؤوليات. هذا العالم ليس مثاليًا على الإطلاق، بل يبدو مخيفًا مقبضًا لافتقاره لأهم متطلب إنساني، وهو المتطلب الروحي الذي تنبثق منه كل الصفات الإنسانية.
قد يعتبر البعض الرواية تحذيرية من مستقبل يطغى فيه العلم بحيث يغطّي على كل ما هو إنساني، بينما يقرر البعض الآخر أنها ديستوبيا سوداوية يستعرضها الكاتب باعتبارها مستقبلًا محتومًا للعالم. في الحالتين، من الصعب اتهام هكسلي بأنه كان مبالغًا، باعتبار أن العالم اليوم يسير حثيثًا نحو حالة من طغيان العلم، ربما تفضي إلى "العالم الجديد الشجاع" الذي تنبأ به قبل أكثر من 80 سنة.
ضوضاء بيضاء
حتى وقت صدورها عام 1985، كانت رواية "ضوضاء بيضاء" White Noise تُعدّ نظرة ساخرة نحو عالم تُحدِّد معالمه ثقافة الاستهلاك وتغلغل التكنولوجيا. غير أن الكاتب الأميركي دون ديليلو استطاع استشراف معايير وممارسات مستقبلية يمكن تطبيقها على الوضع الراهن.
تُعدّ "ضوضاء بيضاء" مثالًا بارزًا على أدب ما بعد الحداثة، ويُعتبر هذا العمل على نطاق واسع نقطة انطلاق دون ديليلو؛ إذ لفت انتباه جمهور أوسع بكثير. وقد أُدرجت الرواية في قائمة مجلة "تايم" لأفضل 100 رواية. وكان الكاتب يرغب في البداية في تسمية الكتاب "باناسونيك"، لكن شركة "باناسونيك" اعترضت على ذلك.
الجزء الأول من "ضوضاء بيضاء"، بعنوان "الأمواج والإشعاع"، هو سردٌ للحياة الأسرية المعاصرة ممزوجٌ بسخرية أكاديمية. في الجزء الثاني من الرواية، "الحادث السام المحمول جوًا"، يتسبب تسرب كيميائي من عربة قطار في إطلاق سحابة سوداء سامة فوق منطقة بطل الرواية "جاك"، مما يستدعي إخلاء المنطقة. بعد تعرضه للسم (المسمى مشتق النيودين)، يجد جاك نفسه مضطرًا لمواجهة حقيقة فنائه. وفي هذا الجزء، تُعرّفنا الرواية بمنظمة تُدعى "سيموفاك" (اختصارًا لـ"الإخلاء المُحاكى")، في إشارة إلى استبدال الواقع بالمحاكاة.
في الجزء الثالث من الرواية، "ديلاراما"، يكتشف جاك أن زوجته بابيت تخونه مع رجل تُسميه "السيد غراي" للحصول على دواء وهمي يُدعى "ديلار"، وهو علاج تجريبي لرهاب الموت. تتحول الرواية إلى تأمل في خوف المجتمع الحديث من الموت وهوسه بالعلاجات الكيميائية.
“فهرنهايت 451”
يتخيل الكاتب إ. م. فورستر في قصة «الآلة تتوقف» (1909) مستقبلًا يعيش فيه الناس في غرفهم الخاصة ويعملون منها، ويتواصلون فيما بينهم عبر الوسائل الإلكترونية. كما يعانون من الرهاب عند الخروج من حجراتهم أو الالتقاء بالآخرين وجهًا لوجه. ورغم أن جهاز التليفون المنزلي كان موجودًا وقتذاك، لم تكن الإذاعة معروفة، ولم يُخترع التليفزيون بعد. في عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي اليوم، يمكننا القول إننا نعيش جميعًا في الكابوس الذي حلم به فورستر.
أما في رواية "فهرنهايت 451"، المنشورة عام 1953، فقد أولى راي برادبري اهتمامه بكيفية تفاعل البشر مع التكنولوجيا. كان التليفزيون حينذاك من المسليات الشهيرة في أمريكا، وكان يعرض البرامج الإخبارية، والأعمال الكوميدية، وبرامج المسابقات والألغاز والمنوعات. غير أن الرواية كانت تتحدَّث عن برامج تشبه اليوم تليفزيون الواقع، وهو برنامج يتتبع الحياة اليومية لمجموعة من الأفراد ويسجل سلوكياتهم وانفعالاتهم بصورة عفوية، دون نصوص مكتوبة مسبقًا. تخيَّل برادبري عالمًا يغصّ بشاشات تليفزيون عملاقة بحجم الجدار، تجعل المشاهدين ينخرطون مباشرة في أحداث البرامج. كما تنبأ بتعلّق الناس بالبرامج التليفزيونية وتفضيلها على حيواتهم وعلاقاتهم.
شكل الأشياء
في رواية "شكل الأشياء التي سوف تأتي" The Shape of Things to Come، التي صدرت عام 1933، يسلط الأديب البريطاني ه. ج. ويلز أضواء خياله على المستقبل السياسي للعالم. في تلك الفترة من الثلاثينيات، كانت أوروبا تغلي مع صعود الحزب النازي إلى السلطة، وظهور شبح حرب مدمّرة في الأفق. وكان من الطبيعي أن يركز ويلز على وضع تصوّرٍ ما للمستقبل باستخدام خياله الواسع.
الرواية عبارة عن رصدٍ زمني للأحداث العالمية التي تبدأ في الثلاثينيات وتنتهي عام 2106. في الأربعينيات، تنبأ ويلز بوقوع حرب مدمّرة، يتلوها انتشار وباء عالمي في الخمسينيات يقتل نصف سكان العالم. في الستينيات، يبدأ العالم في التماسك مرة أخرى عن طريق خلق مؤسسة عالمية تعمل على التحكم في الجو والبحر، وتكون إرهاصات لبداية خلق "دولة عالمية" تستوعب كافة الأعراق والأجناس. وتمتد هذه المرحلة من الستينيات حتى نهاية السبعينيات.
بدءًا من سبعينيات القرن العشرين حتى نهاية خمسينيات القرن الحادي والعشرين، تبدأ إرهاصات تشكيل الدولة العالمية الحديثة، والتي تقع فيها أحداث مختلفة تجعل الناس يعانون من الخوف والرهبة والكبت عبر هذه السنوات، إلا أنه في النهاية تصل البشرية إلى النضج الكامل بعد عام 2100.
ديستوبيا أوكتافيا
بالرغم من وفاة الكاتبة أوكتاڤيا بتلر قبل إنهاء الرواية الثالثة من هذه السلسلة، فإنها ابتكرت عالمًا ديستوبيًا في روايتي «أمثولة الزارع» و«أمثولة الوزنات»، متناولةً صعود الديماغوجية الشعبوية. ولمست هاتان الروايتان وترًا حساسًا لدى القراء، بسبب بعض التشابهات الملحوظة بين المجتمع الذي كتبت عنه بتلر وبين واقعنا المعاصر، مثل الاحتباس الحراري، وتصاعد سطوة الشركات المؤثرة، وانعدام المساواة المجتمعية. لكن أغرب تناظر جاء في رواية «أمثولة الوزنات»، حينما كتبت عن مبشر محافظ يترشح للرئاسة مستخدمًا شعار «اجعلوا أميركا عظيمة مجددًا»، وهو الشعار الذي استخدمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حملته الانتخابية عام 2016.