رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الطيّب.. عالمًا وإنسانًا ومسئولًا!

5-1-2026 | 20:07

د. مجدي أبو الخير

طباعة
د.مجدى أبو الخير

عندما يُطلّ علينا شيخُ الجامع الأزهر، فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد الطيّب، في حديثٍ فنحن إذن أمام حديثٍ تطربُ له الآذان، وتهتز له المشاعر، فلا يُملّ سماعُه لحلاوة لفظه، وبديع نَسْجه، وحُسن منطقه وبيانه. فنحن إذن أمام حكمةِ القلب، وعاطفةِ العقل، وصوتِ الحق الذي لا يخشى في الله لومةَ لائم.

فنحن إذن أمام التأصيل العلمي، والشرعي، والواقعي، والعصري المتزن والرصين لأيّةِ قضيةٍ حالّةٍ وآنيةٍ. فنحن إذن أمام ربّانٍ ماهرٍ قادرٍ على ضبط الأمور بحزمٍ، وإعادة توجيه دفّتها وبوصلتها إذا ضلّت، أو انحرفت عن سواء السبيل. فنحن إذن أمام التشخيص القاطع  للداء، والوصف الناجع للدواء دون شططٍ أو ميوعة. فنحن إذن أمام جَرأةٍ وجسارةٍ دون تهوّرٍ في طرح آخر المستجدات، وأحدث القضايا وأكثرها سخونةً، والتي تواجه الأمة، والنفاذ إلى كبدها وأسبابها وأهدافها ومَن وراءها، وكيف الخلاص والنجاة وسُبل العلاج والوقاية عمليًّا.

كل هذا -ويزيد- يُمثّله أسدُ الأزهر، وشيخُه، العلّامة الفهّامة والمجاهد في سبيل الله الدكتور أحمد الطيب، والذي لطالما وفّى وكفّى، ولا يزال، في كلماته وخطاباته في كل محفلٍ أو مناسبةٍ اقتضت ذلك. فكم من مرّاتٍ رأيناه منافحًا عن الإسلام والمسلمين، وقضايا الأمة، وحتى عن الإنسانية أجمع، دون هوادةٍ أو مواربةٍ أو أدنى ترددٍ.

ويكفي أنني كلما رأيتُه في محفلٍ، محليّ أو دولي، شعرتْ نفسي بالطُّمأنينة والثقة في ذلك الأسد، والذي لن يتردد قيد أُنمُلة في الزّود عن عرين الأمة، وبيضة الإسلام ضد مَن تسوّل له نفسه التطاول عليه، ولو عن غير قصدٍ. سمعنا زئيره في لقاء الإخوة الإنسانية في (دبي فبراير2019م)، وفي (البحرين نوفمبر 2022م). فإذا به، وفي زمنٍ كثُر فيه الصخب، وعلا فيه نعيقُ الغوغاء والجهلاء، يقتحم شائك القضايا التي تهمّ الإنسانية في طرحه لنظرية التعارف الحضاري لا صراع الحضارات. وتلك التي تهمّ الأمة الإسلامية بما يحقق وحدتها، ونبذ الفرقة فيما بينهما، وذلك في طرحه الجريء للمسلمين الشيعة إلى حوارٍ جادّ وتجاوز صفحة الماضي.

إثر اندلاع أحداث السابع من (أكتوبر2023م)، ودوران رحى الحرب بحق أهلنا في غزة دون هوادةٍ أو رحمةٍ؛ رأيناه -ومن فوره- في بيانٍ جريءٍ لا لبسَ فيه ولا اعوجاج، وبصوتٍ جهوريٍّ أجشّ، وزئيرٍ تهابُه حتى الأسودُ في البرّيّة، وكما عهدناه دومًا، يصدح بقولة الحق عن قضية الأمة الأولى، فلسطين، طارحًا وقتها خطةِ علاجٍ ناجعةٍ وعاجلةٍ لدائها، والذي أراده لها أعداؤنا أن يكون عُضالُا، وليس كما أوهمونا. ولا يزال حتى تاريخه يستصرخ الدنيا بأسرها، وأصحاب الضمائر الحية، نُصرة لهؤلاء العُزّل المستضعفين المقهورين، والذين يقاسون ويلات البرد والجوع والرصاص.

وفي (يونيو2025م)، إثر الاعتداء الهمجي، غير المبرّر، من قِبل الكيان الإسرائيلي تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية رأيناه -في تلك اللحظة التاريخية الفارقة، وفي بيانٍ كُتب وقتها بمداد العزة والشرف، والأخوة الصادقة، خرج به علينا وعلى الدنيا بأسرها، منددًا بجرائم الصهيونية العالمية تجاه إيران، داعمًا لها في حربها المشروعة والقانونية ضدّه. فعلى الباغي تدور الدوائر، والبادئ أظلم وأطغى. في بيانٍ كُتب بالعربية والفارسية في دلالةٍ أننا إزاء هذا العدو الغاشم، ومَن وراءه أمة واحدة، إذا اشتكى منها عضو تداعت لها سائر الأعضاء بالسهر والحمّى. 
 
إذن، وفي كل قضايا الأمة، رأيناه يقتحمها، ينفُذُ إلى عينِها وكبدِها دون لفٍّ منه، أو دورانٍ، أو ميوعةٍٍ أو تخبّط. كل ذلك في ثباتٍ انفعاليٍّ رهيبٍ، وثقةٍ وفخرٍ واعتزازٍ لا حدّ له بدينه الحنيف السمح. كل ذلك في بلاغةٍ بعيدةٍ، وبأدلةٍ علميةٍ رصينةٍ. 

وما الطيّبُ إلا كأسلافه من شيوخ الأزهر، العلماء الأجلاء، سار على دربهم، وانتهج نهجهم دفاعًا عن وطنهم، وأمتهم. إنه الأزهر المُزهرُ يا سادة رُغم ما يتعرض له بين فَيْنةٍ وأخرى من نُباحِ النابحين، ونعيق الناعقين، ورُغم  محاولاتٍ مسمومةٍ للنيْل منه عبرَ عقودٍ من الزمان، وحتى تاريخهِ.

واليوم، ومع بلوغه الثمانين من عمره، دمت طيّبًا أيها الطيّبُ، ورضي الله عنك وأرضاك، وبارك لنا في عمرك وعقلك وفهمك، وجعل ما تقدم في ميزان حسناتك يوم لا ينفع منصبٌ ولا جاه إلا مَن أتى الله بقلبٍ سليم، وعملٍ خالصٍ لوجهه الكريم. أيها الطيّب حُشرت في زُمرة النبيّين والطيّبين. وفي الأخير، حيَّا الله الأزهرَ وشيوخه وعلماءه عبر الزمان، وحيَّا الطيّبَ.