رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مشهد هوليوودى فى سماء فنزويلا.. مادورو فى السجن.. والبلد فى حالة ترقب


5-1-2026 | 18:14

.

طباعة
تقرير: يمنى الحديدى

ليست المرة الأولى فى تاريخ الولايات المتحدة أن تقدم على الدخول إلى بلد لاتينية واعتقال رئيسها، وإن كانت بنما هى الحادثة الأولى، فهذه المرة فنزويلا كانت البطل الرئيسى لمشهد يبدو وكأنه يتم تصويره فى هوليوود، لكنه كان طبيعيا للغاية، حيث ملأت الطائرات الأمريكية سماء فنزويلا، وبعد العديد من الضربات استطاعت إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلورز، وتم اصطحابهما على متن طائرة متجهة إلى الولايات المتحدة، ولم يُكشف عن أى تفاصيل غير بعد عدة ساعات. ظل الجميع فى حالة ترقب عما حدث بالضبط وإلى أين تم اصطحاب الرئيس وزوجته، ليتم الإعلان بعد ذلك عن وصول مادورو وزوجته إلى بروكلين فى نيويورك تمهيدا لتوجيه تهم فيدرالية له تتعلق بالمخدرات، وسيتم احتجازه فى مركز الاحتجاز الفيدرالى هناك. وفى اليوم التالى، وبعد أن هدأت الضربات، تبين حجم الدمار الذى سببته القوات الأمريكية فى هذه العملية التى استغرقت ساعتين وعشرين دقيقة، وطبقا لبعض المصادر فى الصحف الأجنبية التى طالبت بعدم الكشف عن هويتها، فإن هذه العملية ضمت 150 طائرة أمريكية لتدمير الدفاعات الجوية الفنزويلية، حتى تتمكن المروحيات العسكرية من نقل قوات العمليات الخاصة التى هاجمت قصر مادورو الساعة الثانية صباحا بالتوقيت المحلى لفنزويلا، لكن فى اليوم التالى تم الكشف على أن ما لا يقل عن أربعين شخصًا لاقوا حتفهم فى هذه العملية بين جنود ومدنيين، الأمر الذى قد يزيد من تعقيد الموقف إذا تم إثبات ذلك فعلا. وبعد ساعات تحدث الرئيس الأمريكى ترامب فى مؤتمر صحفى، وصرح بأن الولايات المتحدة ستدير البلاد إلى حين التوصل لاتفاق آمن وسليم وحكيم للسلطة، وأضاف أنه لا يخشى وجود قوات برية، الأمر الذى رفع سقف المخاوف من أن تصبح فنزويلا عراقًا ثانيًا. لكن يبدو أن ردود الفعل العالمية التى ندد معظمها بما فعله ترامب، هدأت من موقفه نوعا ما، فلم يلحظ أى وجود عسكرى أمريكى فى صباح اليوم التالى، كما أن نائبة مادورو ديلسى ردوريغيز، التى أدت اليمين الدستورية كرئيسة مؤقتة للبلاد فى حفل سرى فى كاراكاس، ظهرت فى خطاب متلفز للأمة برفقة وزير دفاعها ومسئولين آخرين، وقالت إن واشنطن غزت بلادها بذريعة كاذبة وإن الرئيس مادورو ما زال رئيسا لدولة فنزويلا، حيث صرحت رودريغيز نصا: "لا يوجد سوى رئيس واحد لهذه البلد، واسمه نيكولاس مادورو موروس". وعلى جانب المعارضة، أصدرت زعيمة المعارضة الرئيسية، ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام العام الماضى، بيانًا تحثّ فيه على تسليم السلطة والاعتراف بحليفها السياسى إدموند غونزاليس رئيسا للبلاد، حيث نافس غونزاليس مادورو فى الانتخابات الأخيرة، التى تعتقد ماتشادو ومراقبون دوليون، بالإضافة للولايات المتحدة بأنها شابتها عمليات تزوير وأن الفائز الحقيقى هو غونزاليس، وقالت ماتشادو: "نحن اليوم على أتم استعداد لتنفيذ ولايتنا وتولى السلطة". أما ترامب، فيبدو أنه تخلى عن حليفته ماتشادو التى قال عنها أنها لا تحظى بالدعم والاحترام اللازمين لقيادة البلاد، وتجنب ترامب أيضا تبنى موقف داعم لرودريجز وصرح بأن وزير خارجيته ماركو روبيو تحدث معها وقالت إنها مستعدة مبدئيا لفعل ما نراه ضروريا لإعادة فنزويلا إلى سابق عهدها. وبعيدا عن رودريغيز وماتشادو، فقد عبر ترامب عن نيته صراحة فى فتح احتياطات النفط الهائلة التى تسيطر عليها الدولة فى فنزويلا أمام شركات النفط الأمريكية، كما تحدث مطولا فى المؤتمر الصحفى عن شركات النفط الأمريكية، التى ستعيد بناء البنية التحتية للطاقة فى البلاد، وربما ستستعيد حقوقها السابقة فى احتياطات النفط الفنزويلية الهائلة، بل وأضاف أن الحكومات الفنزويلية السابقة "سرقت نفطنا" فى إشارة واضحة لتأميم البلاد لقطاع النفط، وقال "إننا سندير البلاد بشكل صحيح، وهذا سيدرّ علينا أرباحًا طائلة". وبحسب الخبراء هذا هو مربط الفرس، وهو السبب المباشر وراء ما فعله ترامب، وبالطبع سيلعب النفط دورا أساسيا فى تشكيل مستقبل فنزويلا وخطواتها القادمة. على الصعيد المحلى، تباينت ردود الشعب الفنزويلى عما حدث، فبين مَن انتابته الفرحة بعد تدخل الولايات المتحدة واعتقال مادورو، يرى آخرون أن ما حدث تدخل سافر فى شئون الدولة، وخرجت المظاهرات فى العاصمة تطالب بالإفراج عن مادورو وإعادته للبلاد، وانضمت للمظاهرة عمدة كراكاس كارمن ميلينديز التى وصفت ما حدث بأنه اختطاف لمادورو. أما على الصعيد العالمى، فنددت معظم البلاد بما حدث باعتباره تدخلا فى شئون دولة مستقلة، وقالت وزارة الخارجية الروسية: "الولايات المتحدة ارتكبت هذا الصباح عملا عدوانيا مسلحا ضد فنزويلا. وهذا أمر يثير قلقًا بالغًا ويستحق الإدانة والذرائع المستخدمة لتبرير مثل هذه الأفعال لا أساس لها من الصحة". كما أعربت الصين عن معارضتها الشديدة للضربات العسكرية الأمريكية واعتقال مادورو، واصفة العملية بأنها انتهاك للقانون الدولى، وندد رئيس البرازيل لولا دا سيلفا بما حدث ووصف الأمر بأنه يتجاوز خطأ غير مقبول. أما الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، فاعتبر أن اعتقال مادورو يعد سابقة خطيرة، مبديًا قلقه لعدم احترام القانون الدولى خلال العملية، فى حين دعا رئيس المجلس الأوروبى أنطونيو كوستا إلى التهدئة فى فنزويلا ودعم حل سلمى وديمقراطى فى البلاد. ويرى السفير رخا حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، بأن ما حدث هو انتهاك صريح للقانون الدولى وإخلال بميثاق الأمم المتحدة بعدم التدخل فى شئون الدول واحترام سيادة الدول واستقلالها، كما أنه يتعارض أيضًا مع منظمة الدول الأمريكية، وهى المنظمة الإقليمية التى تضم جميع دول أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة وكندا، وهى منظمة أيضا هدفها الحفاظ على استقلال وسلامة أراضى الدول الأعضاء. وعلى الرغم من ذلك، فإن ما حدث هو ما يمكن تسميته "سلطة القوة" وهو نموذج ليس غريبًا على الولايات المتحدة الأمريكية، ففى نفس التاريخ، فى الثالث من يناير سنة 1990، اقتحمت القوات الأمريكية بنما، واضطر رئيس بنما مانويل نوريغا إلى اللجوء لسفارة الفاتيكان، فحاصرتها القوات الأمريكية ثلاثة أيام حتى تم القبض عليه وترحيله إلى أمريكا، وتمت محاكمته أيضا، ثم تم الإفراج عنه بشرط ارتداء أسورة التتبع، حتى وفاته عام 2017. أما عن تصريحات ترامب، فيقول "حسن" إننا يجب أن ننظر إلى تصريحات ترامب بحرص شديد لأنه ليس خبيرا سياسيا أو قانونيا لكنه رجل صفقات كما يقول، وفى فنزويلا لن ينفذ الأمر بحذافيره كما قال، وذلك تجنبًا لأمرين مهمين، الأول: هو تجنب حدوث حرب أهلية بين اليمين واليسار والتى إذا حدثت ستكون تدميرا لفنزويلا بأكملها، لذا يجب التوصل إلى صيغة بينهما وهو ما ستحرص عليه أمريكا لانقضاء الفترة الانتقالية إلى أن تجرى انتخابات جديدة. الأمر الثانى الذى سيجعل ترامب يفكر فيما قاله هو مواقف دول أمريكا اللاتينية تجاه ما حدث، فانقلاب هذه الدول على الولايات المتحدة سيعود بأضرار اقتصادية وسياسية بالغة عليها، وانصرافها أكثر نحو الصين وروسيا والاتحاد الأوروبى فى ظل الواقع الحالى الذى سيسهل من هذه العملية، لذا يظن "حسن" أن السياسيين حول ترامب سينصحونه بما يجب أن يفعله، لا سيما ماركو روبيو وزير خارجيته، وهو من أصل كوبى، ويعلم جيدا الأقلية اللاتينية.