فى الوقت الذى تدخل فيه مصر عام 2026 محمّلة بتحولات كبرى على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يبرز القطاع الثقافى بوصفه أحد أكثر القطاعات التصاقًا بالهوية الوطنية، وإحدى أهم أدوات القوة الناعمة للدولة. فالثقافة المصرية، التى تشكّلت عبر آلاف السنين من التراكم الحضارى، لم تكن يومًا مجرد نشاط فنى أو فكرى، بل كانت دائمًا مرآة للمجتمع، وحارسًا للوعى الجمعى، ووسيلة للتأثير داخليًا وخارجيًا.
وخلال الأعوام القليلة الماضية، شهد المشهد الثقافى المصرى افتتاح مشروعات قومية كبرى، وسياسات رسمية تسعى إلى إعادة الاعتبار لدور الثقافة فى مسار التنمية الشاملة، وقد انعكس ذلك فى التوسع فى إنشاء وتطوير المتاحف، وتنشيط المهرجانات الفنية والسينمائية، وتكثيف المعارض والفعاليات الثقافية، إلى جانب الاهتمام بالتراث المادى وغير المادى، ومحاولات جادة لتوسيع قاعدة المشاركة الثقافية، خاصة فى المحافظات.
ويأتى افتتاح المتحف المصرى الكبير كأحد أبرز ملامح هذا التحول، ليس فقط باعتباره صرحًا أثريًا عالميًا، بل كرسالة ثقافية تُعيد تقديم الحضارة المصرية للعالم بلغة العصر. فالمتحف، بما يضمه من كنوز أثرية فريدة، يمثل نموذجًا لكيفية توظيف التراث فى دعم السياحة الثقافية، وتعزيز الحضور المصرى على الخريطة الثقافية الدولية. وفى الوقت نفسه، شهدت الساحة الثقافية نشاطًا ملحوظًا فى المهرجانات السينمائية والموسيقية والمسرحية، التى باتت منصات للحوار الفنى وتبادل الخبرات، ونافذة لاكتشاف المواهب الجديدة.
الروائى صلاح معاطى، رأى أن الثقافة فى مصر ليست مجرد نشاط فنى أو فكر؛ بل هى قوة ناعمة تمتد جذورها إلى آلاف السنين، من الحضارة الفرعونية القديمة إلى الأدب والفنون المعاصرة. لاسيما أنه فى السنوات الأخيرة، برزت جهود حكومية ومجتمعية لتعزيز الحراك الثقافى، وتوسيع نطاقه ليشمل كافة شرائح المجتمع، فى الوقت الذى أصبح فيه المشهد الثقافى المصرى أكثر انفتاحًا على العالم.
«معاطي»، أوضح أن «هناك العديد من الإنجازات الثقافية فى الأعوام الأخيرة، ولعل أبرزها إطلاق المتحف المصرى الكبير، الذى يعد «أيقونة حضارية»، ويمثل أبرز إنجاز ثقافى حققته مصر قبل العام 2026، وهو أكبر متحف فى العالم مخصص لحضارة واحدة، يضم آلاف القطع الأثرية من التاريخ المصرى القديم، بما فى ذلك مجموعة الملك توت عنخ آمون كاملة لأول مرة فى مكان واحد، وهذا المشروع الضخم ليس مجرد متحف؛ بل رمز حضارى عالمى يجذب الباحثين والزوار من جميع أنحاء العالم، ومن المتوقع أن يلعب دورًا محوريًا فى تعزيز السياحة الثقافية فى مصر خلال 2026 وما بعده، مع توقع استقبال ملايين الزوار سنويًا».
وتابع: مع افتتاح المتحف المصرى الكبير، ومشاركة مصر فى المعارض الدولية والاتفاقيات الثقافية، ستسعى الدولة إلى ترسيخ مكانة مصر محوريًا فى الحوار الثقافى العالمى، كما أن قيادة شخصية مصرية لمنظمة دولية مثل اليونسكو، تفتح آفاقًا جديدة للتأثير فى السياسات الثقافية العالمية.
«معاطي»، أشار أيضا إلى أن «الوزارة نظمت آلاف الأنشطة الثقافية – من ندوات ومعارض فنية ومهرجانات ومحاضرات فى قصور الثقافة وأوبرا مصر – استفاد منها أكثر من مليون مواطن فى محافظات متعددة. كما تم إطلاق مبادرات لتعزيز الثقافة المجتمعية، مثل ورش العمل التدريبية ودعم المواهب الشابة، ونجحت مصر فى تسجيل عناصر تراثية على قوائم اليونسكو للتراث الثقافى غير المادى، مثل الحناء والممارسات الاجتماعية المرتبطة بها، مما يعزز الهوية الثقافية المصرية ويؤكد أهميتها العالمية، بحسب ما ذكره.
وكشف أن الوزارة لم تقف عند النشاط المحلى فقط، بل امتد نشاطها عالميا أيضا، فقد حرصت على دعم التعاون الدولى والتبادل الثقافى وشهدت الفترة الماضية توقيع عدة بروتوكولات واتفاقيات ثقافية مع مؤسسات دولية ودول شقيقة، تشمل دعم البنية التحتية للمكتبات والأوبرا، وتبادل الخبرات الفنية، وتنظيم فعاليات مشتركة، لتعزيز الحوار الثقافى بين مصر والعالم.
وتمنى أن تشهد السنوات القادمة نموًا فى الصناعات الإبداعية؛ من السينما والمسرح والموسيقى إلى التصميم الرقمى والألعاب الإلكترونية، بدعم من منصات الإنتاج، المهرجانات الدولية، وبرامج التدريب المتخصصة.
وعلى مستوى المهرجانات والجوائز التى أثرت فى المشهد الثقافى، أفاد «معاطي» أن مهرجان الجونة السينمائى، يُعد مهرجانا من أهم الفعاليات الثقافية السينمائية فى مصر والمنطقة، ويجذب أعمالًا مصرية وعربية وعالمية، كما يمنح جوائز للسينمائيين المبدعين، مما يساهم فى دعم صناعة السينما المحلية والاحتفاء بالمواهب، كما سلط مهرجان أسوان الدولى لسينما المرأة، الضوء على المرأة فى السينما، بما فى ذلك القضايا الاجتماعية والتجارب الإبداعية لمخرجات ومنتجات من العالم العربى وإفريقيا، وهو منصة مهمة للحوار الثقافى حول قضايا النوع والإبداع.
وحول رقمنة الثقافة المصرية، أوضح «معاطي» أنه سوف تستمر الجهود فى دمج التكنولوجيا فى الثقافة، من خلال مشروعات التراث الرقمى، والمتاحف الذكية، والتطبيقات الثقافية التفاعلية مثل رقمنة الوثائق والمراجع، وتوسيع المحتوى المتاح عبر الإنترنت للباحثين والمهتمين.
واختتم حديثه قائلا: فى عام 2026، تقف الثقافة المصرية عند مفترق طرق بين تراث حضارى عريق وإبداع معاصر مزدهر. المشاريع الضخمة، مثل المتحف المصرى الكبير، والمهرجانات الدولية، والجوائز الحكومية، إلى جانب المبادرات المحلية، كلها تسهم فى جعل الثقافة عنصرًا فاعلًا فى التنمية الاجتماعية والاقتصادية وفى تعزيز الهوية الوطنية، وجسرًا للتواصل بين مصر والعالم.
وفى السياق، قال الشاعر أحمد الشهاوى، عضو اللجنة العليا لتنظيم معرض القاهرة الدولى للكتاب: مع بداية عام 2026، تقف مصر على أعتاب مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من تنفيذ المشروعات إلى جنى ثمارها، فخلال السنوات القليلة الماضية، شهدت مصر نشاطًا واسعًا فى مختلف القطاعات، وعلى رأسها القطاع الثقافى، الذى تحوّل من مجال مهمش نسبيًّا إلى إحدى أدوات الدولة الفاعلة فى تعزيز صورتها داخليًّا وخارجيًّا، فهى تتقدم بثبات نحو استعادة دورها التاريخى كقوة ناعمة مؤثرة فى محيطها الإقليمى وعلى الساحة الدولية.
وكشف «الشهاوي»، أن «العام الجديد سيكون أول عام يشهد التشغيل الكامل لعدد من المشروعات الثقافية التى جرى افتتاحها أو تطويرها مؤخرًا، وفى مقدمتها المتحف المصرى الكبير، الذى يُنتظر أن يتحول من حدث افتتاحى عالمى إلى مؤسسة ثقافية دائمة التأثير. فالمتحف لا يكتفى بعرض الآثار، بل يخطط لاستضافة معارض دولية مؤقتة، وورش عمل تعليمية، وبرامج بحثية متخصصة، ما يجعله منصة مستمرة للحوار الثقافى العالمي»، لافتا إلى أن هذا لا يقل أهمية عن ذلك تطوير المناطق المحيطة بالمواقع الأثرية، فى إطار رؤية تربط الثقافة بالسياحة والاقتصاد، وهو ما يضع الثقافة فى قلب عملية التنمية، لا على هامشها.
وأشار إلى أنه «بعد سنوات من التوسع والتنظيم، تدخل المهرجانات الثقافية والفنية فى مصر عام 2026 بزخم جديد. فمهرجانات مثل القاهرة السينمائى الدولى والمسرح التجريبى والموسيقى العربية تستعد لدورات تحمل طابعًا أكثر انفتاحًا على التجارب العالمية، مع تركيز واضح على الإنتاج المشترك والتعاون الثقافى مع دول إفريقيا والعالم العربى، كما يتزايد الاهتمام بالمهرجانات المحلية فى المحافظات، سواء السينمائية أو التراثية أو الفنية، فى محاولة لكسر مركزية الفعل الثقافى فى العاصمة القاهرة ، ومنح الأقاليم مساحة أكبر للتعبير عن هويتها الثقافية الخاصة».
وفيما يتعلق بجوائز الثقافة التى تعمل على دعم المبدع واستعادة الثقة، أوضح «الشهاوي» أنه «يُنتظر أن تلعب الجوائز الثقافية دورًا أكثر تأثيرًا فى دعم المبدعين، خاصة الشباب. حيث تشهد جوائز الدولة المختلفة مراجعات تهدف إلى تحديث معايير الاختيار وزيادة الشفافية، بما يعزز الثقة فى هذه الجوائز كمحرك حقيقى للإبداع، لا مجرد تكريم رمزى، وفى الوقت نفسه، تبرز الجوائز المستقلة كمكمل مهم للدور الرسمى، عبر تسليط الضوء على أصوات جديدة وتجارب غير تقليدية، ما يثرى المشهد الثقافى ويمنحه تنوعًا أكبر.
وأفاد أنه بصفته عضو اللجنة العليا لتنظيم معرض القاهرة الدولى للكتاب، فهو يعتبر أن معارض الكتاب تعد نافذة مصر على العالم، مؤكدا أن معرض القاهرة الدولى للكتاب سيظل أحد أبرز الأحداث الثقافية المنتظرة فى 2026، مع توجه واضح لتعزيز البعد الدولى واستضافة مزيد من دور النشر الأجنبية. كما تشهد معارض الفنون التشكيلية والتصميم اهتمامًا متزايدًا، فى ظل تنامى الطلب العالمى على الفنون القادمة من الجنوب العالمى، ولا تقتصر أهمية هذه الفعاليات على العرض فقط، بل تلعب دورًا فى بناء جسور ثقافية وتبادل الخبرات، وتقديم صورة معاصرة للإبداع المصرى بعيدًا عن القوالب النمطية.
بدوره، قال الكاتب والشاعر عبده الزراع، إن «هناك عددا من المشروعات الثقافية المهمة التى تم إنجازها فى السنوات الأخيرة، وأبرزها جائزة الدولة للمبدع الصغير التى ترعاها السيدة انتصار السيسى، وهى إحدى جوائز الدولة التى يتبناها المجلس الأعلى للثقافة، موضحا أن أهمية هذه الجائزة تكمن فى أنها تعمل على تنمية وعى أطفالنا، وتوجيههم للاهتمام بالأدب والفنون، باعتبار أن هذه الفنون ترقى المشاعر والوجدان وتؤهل أطفالنا ليكونوا رجال المستقبل الذين سيتولون زمام الأمور بها، وتشمل مجالات الجائزة في: الشعر، والقصة، والمسرح، والرسم، والموسيقى، والمبتكرات الإلكترونية، وهذه الجائزة تفرز كل عام مجموعة من الأطفال الموهوبين فى هذه المجالات، وترعى وزارة الثقافة بشتى قطاعاتها هؤلاء الأطفال، ويكونوا ممثلين فى أنشطتها المختلفة، ومنهم من أصبحوا بالفعل يعملون فى المجال الإعلامى، بل ومنهم منْ أصبح شاعرا متميزا أو كاتبا موهوبا».
أما على المستوى الدولى، أوضح «الزراع»، أن الإدارة المصرية حرصت خلال الأعوام القليلة الماضية، على تنفيذ عدد من المشروعات على المستوى الدولى، والتى تعتبر مكسبا كبيرا لمصر، مثل: وضع بعض عناصر التراث على قائمة الصون العاجل فى منظمة اليونسكو، مثل: لعبة التحطيب، والأراجوز باعتبارهما عناصر تراثية مصرية، ومؤخراً تم تسجيل الكشرى كأحد الأطعمة المصرية، موجها الشكر للجنة التراث بالمجلس الأعلى للثقافة برئاسة الدكتورة نهلة إمام رئيس اللجنة على هذه الجهود المقدرة.
وأضاف أن من المشروعات الثقافية أيضا الملفتة فى السنوات الأخيرة اهتمام المركز القومى لثقافة الطفل بإحياء فن الأراجوز، وتدريب عدد من الأراجوزات الجدد بعد أن كاد هذا الفن ينقرض تماما، بل وأصبح له مهرجان سنوى يقام كل عام فى موعد محدد، وتقدم فيه البحوث العلمية لتطوير هذا الفن الذى أصبح مصريا خالصا، فضلا عن الاهتمام بمسابقات أدب الطفل، فى مجالات المسرح ورواية اليافعين وإن كانت بجوائز مالية قليلة ولكنها أصبحت موجودة ، وهذا فى حد ذاته يعتبر مكسباً كبيراً.
وفيما يتعلق بالمشروعات التى يتمنى أن تنفذ فى العام الجديد، كشف «الزراع» ضرورة أن يعيد المجلس الأعلى للثقافة إطلاق جائزة كامل كيلانى لأدب الأطفال التى توقفت للأسف بعد عام واحد من انطلاقها، وأن يعود المهرجان الدولى لسينما الأطفال مرة أخرى, وأن يكون لدينا مهرجان قومى لمسرح الطفل، خاصة وأن مصر بها زخم كبير فى مجال إنتاج مسرح الطفل، وأخيرا عودة مشروع مكتبة الأسرة مرة أخرى بعد أن مات موتا إكلينيكيا، فهو من المشاريع الثقافية المهمة جدا التى تثقف عليها جيلنا وأجيال أخرى كثيرة.