«عام الأرقام القياسية والاستثمارات الضخمة».. عنوان عريض يمكن أن يلخص جزءًا من النجاح الذى حققه قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات خلال العام المنقضى، فعلى مدار السنوات السبع الماضية نجح القطاع فى تحقيق معدلات نمو تراوحت من 16 إلى 19 فى المائة، ليصبح قطاع الاتصالات أعلى قطاعات الدولة نموًا، وإحدى آلياته الرئيسية للنمو الاقتصادى والتنمية المستدامة، فتضاعفت نسبة مساهمته فى الناتج القومى من 3.2 فى المائة إلى 6 فى المائة فى 2025، لتتحول مصر لمركز إقليمى رائد فى مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
الدكتور عمرو طلعت، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وصف ما شهده قطاع الاتصالات بـ«نقطة التحول فى مسيرة القطاع»، قبل أن يضيف أن «استثماراتنا تجاوزت كل التوقعات، ووصلت صادرتنا الرقمية إلى مستوى غير مسبوق».
فقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، لم يتوقف عند حد أداء وظيفته التقليدية فى خدمات الاتصالات وشبكة الإنترنت العالمية، لكنه أصبح ركيزة أساسية فى بناء الدولة الرقمية، وفى الوقت ذاته عزز من التصنيف المصرى فى قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
وعام 2026 ينتظر تحديات جديدة، يأتى فى مقدمتها إطلاق أول قمر مصرى للاتصالات متعدد الأغراض، وبدء تجارب الجيل السادس 6G، ونمو فى صادرات تكنولوجيا المعلومات لتتجاوز الـ12 مليار دولار مع نهاية 2026، على أن يتم تحقيق التحول الرقمى بشكل كامل بنسبة 100 فى المائة.
ووفقًا للغة الأرقام، نجح قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ليس فقط فى زيادة معدلات نمو، حتى إنه أصبح أكبر قطاعات الدولة نموًا، أو فى زيادة نسبة مساهمته فى الناتج المحلى، ولكن فى تحقيق قفزات فى التصنيفات العالمية فى القطاع، فاستطاعت الدولة المصرية أن تصل للمركز 22 عالميًا فى تصنيف مؤشر نضج الحكومة الرقمية 2025.
ونجحت مصر فى أن تتقدم 47 مركزًا، وهى قفزة كبيرة تقدمت فيها مصر بنسبة نضج بلغت 0.911 نقطة من 1، مقارنة بالمركز 69 بنسبة نضج 0.751 نقطة فى التقرير السابق الصادر لنفس المؤشر فى 2022، لتصل مصر إلى مجموعة الدول الرائدة فى الحكومة الرقمية بالفئة (A)، وهى أعلى فئة فى مؤشر نضج الحكومة الرقمية، وهو مؤشر صادر عن البنك الدولى.
وعلى مدار الخمس السنوات الماضية من 2020 وحتى 2025، حققت مصر قفزات فى مؤشر نضج الحكومة الرقمية، ففى 2020 حققت نسبة نضج فى المؤشر تُقدر بـ0.649، وعلى أثرها رُفع التصنيف المصرى إلى فئة الدول ذات الأداء المرتفع (B).
لم يتوقف مؤشر النجاح المصرى عند هذا القدر، لكن شهدت كافة محاور المؤشر صعودًا مصريًا مقارنة بـ2022، على مستوى كافة المحاور سواء الميكنة أو الخدمات الحكومية الرقمية أو المشاركة والتواصل الرقمى مع المواطنين، فارتفعت نسبة النضج بمحور الميكنة أو دعم النظم الحكومية الأساسية بقدر 0.133 لتصل إلى 0.916 نقطة، مقارنة بـ0.783 نقطة فى 2022، كما ارتفع محور الخدمات الحكومية الرقمية بقدر 0.167 ليبلغ 0.962 نقطة، مقابل 0.795 نقطة فى 2022.
«توطين صناعات الإلكترونيات»
«توطين صناعات الإلكترونيات».. هدف سعى قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لتحقيقه عبر مبادرة صناعة الإلكترونيات، وتحويل مصر لمركز عالمى لصناعة التعهيد والخدمات العابرة للحدود كإحدى أهم صناعات المستقبل التى تُعرف بالذهب الرقمى التى تُدر مليارات للناتج القومى، وإطلاق الاستراتيجية المصرية للذكاء الاصطناعى.
كذلك تسعى الدولة المصرية لتكون مركزا عالميا لنقل المعلومات والبيانات، بعد أن نجحت فى أن يمر عبرها 21 كابلًا دوليًا من بينها 6 كابلات لا تزال تحت الإنشاء، ليعبر خلال هذه الكابلات ما يزيد على 90 فى المائة من حركة البيانات عبر قارتى آسيا وأوروبا.
وفى 2025، نجحت مصر فى إنزال نظام الكابل البحرى عالى السعة “كورال بريدج”، كأول كابل بحرى مباشر يربط بين مصر والأردن بطول 15 كم، ويعمل الكابل على تعزيز سرعة نقل البيانات الدولية وخفض تكاليفها، كما أنه يوفر ربطًا سلسًا عبر ثلاث قارات هى آسيا وإفريقيا وأوروبا، كما تم اكتمال البنية التحتية الرئيسية للكابل البحرى 2Africa والذى يربط شرق إفريقيا بغربها، ويمثل قفزة هائلة فى الربط الرقمى العالمى.
ووسط هذا كله، لم يغفل قطاع الاتصالات عن تعزيز البيئة التشريعية عبر إطلاق عدد من القوانين الخاصة بالبيئة الرقمية؛ ومنها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وقانون حماية البيانات الشخصية، والميثاق المصرى للذكاء الاصطناعى المسئول، وسياسة «الحوسبة السحابية أولًا»، وسياسة البيانات المفتوحة.
كذلك، وباستثمارات 6 مليارات دولار حتى 2025، تم تطوير البنية التحتية الرقمية، منها 2.7 مليار دولار لتحسين خدمات شبكات الهواتف المحمولة، و3.3 مليار دولار لرفع شبكات الإنترنت، وهو ما انعكس على متوسط سرعة شبكة الإنترنت بقدر 16 ضعفًا، لتصل إلى 91.3 ميجاوات فى الثانية، وتسبب فى قفزة كبيرة فى الترتيب المصرى لمتوسط سرعة الإنترنت من المركز الأربعين فى 2018 لتتصدر مصر فى 2025 ترتيب متوسط سرعة الإنترنت الثابت.
تطوير البنية التحتية الرقمية شمل مشروع توسيع نشر شبكة الألياف الضوئية باستثمارات قُدرت بـ150 مليار جنيه، على مستوى كافة محافظات الجمهورية، تم خلالها ربط كافة قرى «حياة كريمة» والتى تبلغ 4500 قرية بكابلات الألياف الضوئية عالية السرعة، من أجل توفير سرعات إنترنت فائقة وتحسين جودة وموثوقية الخدمات الرقمية القائمة بشكل أساسى على خدمة الإنترنت.
وفى 2025، تم إطلاق النسخة الثانية من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعى، ومن قبلها أُطلقت النسخة الأولى فى 2019، لتضم الاستراتيجية محاور ستة هى البيانات، والمهارات، والنظام البيئى، والبنية التحتية، والتطبيقات، والحوكمة، وتهدف نسخة الأولى للاستراتيجية إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى لبناء منظومات رقمية قادرة على تحسين كفاءة الخدمات بها، وفى النسخة الثانية للاستراتيجية والتى حددت مداها الزمنى بخمس سنوات من 2025 وحتى 2030 فسعت إلى رفع مساهمة الذكاء الاصطناعى فى الناتج المحلى المصرى إلى 7.7 فى المائة.
كذلك، هناك إنجازات عدة تسعى الدولة المصرية لتحقيقها من خلال تطبيقها لاستراتيجيتها للذكاء الاصطناعى، لكن أبرز ما حققته فى 2025 هو نجاحها فى استضافة النسخة الأولى من قمة ومعرض AI Everything الشرق الأوسط وإفريقيا فى فبراير 2026، وهو يُعد أبرز تجمع تقنى عالمى فى المنطقة، وأكبر حدث للذكاء الاصطناعى فيها.
سياسات البيانات المفتوحة
إطلاق النسخة الثانية من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعى، تبعه إطلاق تقرير الجاهزية الوطنية للذكاء الاصطناعى، واعتماد المجلس الوطنى للذكاء الاصطناعى «سياسة البيانات المفتوحة»، والتى دخلت حيز التنفيذ فى أغسطس 2025 كمرحلة انتقالية إلى أن يتم صدور قانون حوكمة البيانات ولائحتها التنفيذية.
مركز إقليمى لصناعة التعهيد
«مصر مركز إقليمى لصناعة التعهيد» أحد مستهدفات خطة قطاع الاتصالات المصرية التى تسعى لتنفيذها، فارتفع عدد الشركات العاملة من 90 شركة إلى 240 شركة لديها ما يقارب من 270 مركزًا لتقديم خدمات التعهيد، لتنمو الصادرات المصرية لصناعات التعهيد بقدر الضعف 2.4 مليار دولار، ففى 3 سنوات فقط من 2022 وحتى 2025 زاد حجم الصادرات من 2.4 مليار دولار لتصل إلى 4.8 مليار دولار، لتنعكس صناعة التعهيد بشكل كبير على حجم الصادرات الرقمية المصرية فى 7 سنوات الماضية بأكثر من 124 فى المائة، لتصل حجم الصادرات الرقمية إلى 7.4 مليار دولار فى 2025 مقارنة بـ3.3 مليار دولار فى 2018.
«صناعة الإلكترونيات»
مسار آخر نجح قطاع الاتصالات فى تحقيق إنجازات عدة فيه خلال 2025، وهو «صناعة الإلكترونيات»، والتى بدأت بإطلاق المبادرة الرئاسية المبادرة المصرية لصناعة الإلكترونيات فى 2016، وهى المبادرة التى قدمت برامج وحوافز حكومية لجذب كبريات العلامات التجارية وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلى، لتنجح المبادرة فى جذب 15 علامة تجارية بطاقة إنتاجية تقدر بنحو 20 مليون وحدة سنويًا، وباستثمارات تُقدر بـ200 مليون دولار، لترتفع الطاقة الإنتاجية من 3.3 مليون وحدة للأجهزة المحمولة فى 2024 إلى 10 ملايين وحدة خلال 2025.
نقلة نوعية شهدها البريد المصرى فى 2025 عبر خطة شاملة لزيادة عدد المنافذ إلى أكثر من 4700، والتنوع بين المكاتب المتنقلة والأكشاك البريدية ومكاتب Drive Thru، كما خضعت عدد من مكاتب البريد للتحديث، بلغت 4000 مكتب بريدى، وتم إطلاق خدمات رقمية جديدة كخدمة «بريدى» للبريد الإلكترونى المؤمّن، و«وصّلها إكسبريس» للشحن الذكى، كما تم إطلاق تطبيق «فلوسى» كأول منصة رقمية متكاملة فى مصر للاستثمار فى صناديق الاستثمار.
«منعطف حاسم يرسم ملامح العقد المقبل»، هكذا وصفت الدكتورة إيمان على، خبير تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبرانى، ما حققته الدولة المصرية فى مجال الذكاء الاصطناعى، قائلة: كشفت الدولة المصرية عن الإصدار الثانى من استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعى للفترة من 2025 إلى 2030، تحت شعار «ذكاء اصطناعى شامل لتعزيز مصر الرقمية»، فتنطلق هذه الرؤية الطموحة من فلسفة عميقة، مفادها أن التكنولوجيا ليست غاية فى حد ذاتها، بل هى أداة لتحقيق التنمية المستدامة، وتحسين جودة حياة المواطنين، وتأمين مكانة رائدة لمصر على الخريطة العالمية”.
وأضافت: هذه الاستراتيجية الشاملة ترتكز على ستة محاور مترابطة، تعمل معًا كأعمدة متينة تدعم صرح «مصر الرقمية»، وتضمن أن تكون ثمار هذه الثورة التكنولوجية فى متناول الجميع، من أروقة الحكومة إلى أصغر الشركات الناشئة فى ربوع الوطن.
«د. إيمان»، أكدت أن «الرؤية الأعمق التى تتبناها الدولة فى الذكاء الاصطناعى هى المشاركة فى وضع المعايير العالمية للذكاء الاصطناعى، والتأثير فى الحوار الدولى حول القواعد الأخلاقية والتنظيمية التى ستحكم هذه التقنية الجبارة، فمصر، بثقلها الحضارى والتاريخى، تدرك أن التكنولوجيا ليست محايدة، وتصر على أن يكون لها صوت فى ضمان أن يخدم الذكاء الاصطناعى الإنسانية جمعاء، وأن يتم تطويره بشكل مسئول يحمى القيم ويعزز التنمية المستدامة.
من جانبه، قال الدكتور هيثم طارق، خبير تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني: مصر قوة صاعدة رئيسية فى مجال صناعة التعهيد، فبعد مضاعفة حجم صادرات مصر الرقمية من التعهيد فى 2022 وحتى 2024، وهو مؤشر شاهد تسارعا غير مسبوق، فقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المصرى يسجل معدلات نمو تتراوح سنويًا بين 14 فى المائة و16 فى المائة، وهو النمو الأعلى بين كافة قطاعات الدولة.
«د. هيثم»، أكد أن «قصة نجاح قطاع التعهيد المصرى هى نموذج لكيفية تحويل المقومات الديموغرافية والجغرافية إلى ذهب رقمى يدرّ المليارات، ويصنع آلاف الوظائف النوعية، ويضع مصر فى قلب الاقتصاد العالمى الجديد».
وفيما يتعلق بـ«خدمات الجيل الخامس 5G»، قال: إطلاق خدمات الـ5G يمثل نقلة نوعية فى عالم الاتصالات اللاسلكية، وإطلاق خدمات الجيل الخامس فى مصر هو خطوة من الخطوات المحسوبة والمدروسة نحو تهيئة البنية التحتية اللازمة لاستيعاب هذه الطفرة التكنولوجية، بما يتسق مع مستهدفات الدولة فى بناء اقتصاد رقمى تنافسى ومستدام، وهو ما يتماشى مع الاستراتيجية المصرية نحو التحول البنيوى الرقمى، والتوازن بين طموحات التحديث الشامل ومتطلبات الواقع المحلى، من أجل تهيئة بيئة قادرة على استيعاب هذه الطفرة التكنولوجية وتوظيفها لخدمة أهدافها التنموية.
كما لفت إلى أن «مصر تتبنى منهجية استراتيجية مدروسة فى تعاملها مع تقنية الجيل الخامس، تتجاوز مجرد السباق الزمنى للحاق بالركب العالمى، بل تتمحور حول الهدف الاستراتيجى لمبدأ “السيادة الرقمية”، الذى يوازن بين ضرورة التحديث التكنولوجى وحتمية الحفاظ على التحكم الوطنى بالبنية التحتية للاتصالات والبيانات، وهناك استعداد مؤسسى للدولة المصرية، يؤسس لمنظومة متكاملة وجاهزة لاستقبال التقنية وتطبيقاتها المستقبلية، خاصة فى مجالات الذكاء الاصطناعى والحوسبة المتقدمة التى تتطلب بنية تحتية فائقة القدرة.