رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

حكاية دولت أبيض التي عشقت الفن.. وتحدت الرفض فصنعت تاريخاً فنياً

3-1-2026 | 14:28

حكاية دولت أبيض التي عشقت الفن.. وتحدت الرفض فصنعت تاريخاً فنياً

طباعة
ناصر جابر
يشهد شهر يناير ذكرى ميلاد ووفاة الفنانة الكبيرة دولت أبيض، التى تعد إحدى رواد الفن العربى، والتى ولدت فى 29 من يناير عام 1896 وتوفيت فى 4 من الشهر ذاته عام 1978.
فى تلك الذكرى نستعيد سيرة واحدة من أبرز رائدات المسرح والسينما فى مصر، امرأة اختارت أن تسير عكس التيار في عائلتها، وتواجه الرفض العائلى بإيمان عميق بموهبتها وحلمها. لم تكن رحلتها إلى الفن مفروشة بالورود؛ بل بدأت بصدام قاسٍ مع والدها الذى رفض دخولها عالم التمثيل، غير أن عشقها للفن كان أقوى من كل العوائق، فمضت فى طريقها غير عابئة بالثمن. من خشبة المسرح إلى شاشة السينما، صنعت دولت أبيض اسماً خالداً، وأسهمت فى تشكيل وجدان أجيال كاملة من عشاق الفن الراقى. كما تنقلت بين كبرى الفرق المسرحية، وقدمت أدواراً خالدة، وشاركت فى أعمال صنفت ضمن أهم ما قدمته السينما المصرية، وكانت نموذجاً للمرأة القوية، المثقفة، والمؤثرة، التى عشقت الفن كرسالة ومسئولية، فتركت إرثاً فنياً وإنسانياً لا يزال حياً حتى اليوم. اصطدمت دولت أبيض فى بداياتها برفض والدها القاطع لدخولها عالم التمثيل، وواجهت كلمات قاسية وصلت إلى حد القطيعة، اعتراضاً على اختيارها طريق الفن، وعن هذه الواقع قالت فى حوار إذاعى: والدى تبرأ منى، رمى طربوشه فى الأرض وبقى يعيط، ويقولى حرام عليكى تبهدلينا على آخر السنين، أنا متبرى منك، وحصلت قطيعة كبيرة بينا. غير أن تلك الصدمة لم تكن نهاية الحلم، بل كانت شرارة الإصرار، فاستمعت دولت إلى صوت قلبها، واستعانت بتشجيع المقربين، وقررت أن تخوض التجربة رغم كل المخاوف، ومضت بثبات نحو خشبة المسرح وشاشة السينما، ساعية إلى إثبات ذاتها وتغيير الصورة النمطية عن الفن، فنجحت فى أن تصنع لنفسها اسماً خالداً، وتكتب سطراً مضيئاً فى تاريخ الإبداع المصرى، مؤكدة أن الشغف الحقيقى قادر على الانتصار على أقسى أشكال الرفض. البدايات الأولى فنياً ولدت الفنانة دولت أبيض، واسمها الكامل دولت حبيب بطرس قصبجى، فى 29 يناير عام 1896 بمدينة أسيوط، لأم من أصل روسى، بينما كان والدها يعمل مترجماً فى السودان، حيث تلقت تعليمها بمدرسة الراهبات فى الخرطوم. بدأت ملامح موهبتها الفنية فى الظهور مبكراً، إلى أن اكتشفها الفنان عزيز عيد عام 1917، خلال إحدى الحفلات ليعرض عليها الانضمام إلى فرقته المسرحية، هناك خطت أولى خطواتها على خشبة المسرح من خلال مسرحيات «الكونتيسة» و«خلى بالك من إميلي» و«ليلة الدخلة»، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى فرقة نجيب الريحانى، لتواصل صعودها بثبات فى عالم الفن. لقاء المسارح الكبرى وفى سياق تطورها الفنى وانتقالها بين الفرق المسرحية الكبرى، برز اسم المسرحى جورج أبيض، المولود فى بيروت فى الخامس من مايو عام 1880، والذى استقر فى مصر وهو فى الـ18 بعد حصوله على دبلوم التلغراف. كان شغفه بالمسرح دافعاً أساسياً لمسيرته، فعمل فى محطة السكك الحديدية بالإسكندرية قبل أن يلفت أنظار الخديوى عباس حلمى الثانى أثناء مشاركته فى مسرحية مترجمة عام 1904، ليقرر إيفاده فى بعثة إلى باريس لدراسة فنون المسرح، وهناك درس التمثيل والإخراج، ثم عاد بعد 6 سنوات ليؤسس فرقته المسرحية ويقدم مجموعة من الأعمال المميزة. فى عام 1918، انضمت الفنانة دولت أبيض إلى فرقته، وقدمت أول أدوارها معه بشخصية «جوكاستا» فى مسرحية «أوديب الملك»، قبل أن تواصل رحلتها بالسفر إلى سوريا عام 1920 مع فرقة أمين عطاالله، ثم تلتحق بفرقة منيرة المهدية عام 1921، مؤكدة حضورها المتنامى على الساحة المسرحية. شراكة فنية وزواج انتهى التعاون الفنى بين دولت وجورج بزواجهما عام 1923، لتحمل اسمه وتستمر رحلتها المسرحية إلى جانبه، انضما معاً إلى فرقة يوسف وهبى فى نفس العام، وقدما معاً مجموعة من أبرز المسرحيات مثل «لويس الحادى عشر» و«عطيل» و«الجريمة والعقاب» و«كليوباترا»، مما أكسبهما شهرة واسعة على الساحة الفنية. وفى عام 1935، انضمت دولت إلى الفرقة القومية المصرية عند إنشائها براتب قدره 35 جنيهاً، لتواصل إثراء المسرح الوطنى بأعمالها المتميزة، قبل أن تقدم استقالتها عام 1944، منهية مرحلة مهمة من مسيرتها المسرحية الغنية. أدوار خالدة متنوعة تميزت الفنانة دولت أبيض بتقديم أدوار البطولة على خشبة المسرح وفى السينما على حد سواء، فقد جسدت شخصيات مميزة فى مسرحيات مثل «الملك لير» و«شمشون ودليلة» و«مضحك الملك» و«غادة الكاميليا». وعلى صعيد السينما، شاركت فى مجموعة واسعة من الأعمال التى تركت بصمة فى تاريخ الفن المصرى، من أبرزها: «زينب»، «أولاد الذوات»، «الوردة البيضاء»، «الدكتور»، «قلب امرأة»، «مصنع الزوجات»، «ابن البلد»، «خفايا الدنيا»، «الموسيقار»، «المنتقم»، «قلبى وسيفي»، «من القلب للقلب»، «ليلة القدر»، «المساكين»، «ظلمونى الحبايب»، «الشيخ حسن»، «الحب العظيم»، «المراهقات»، «غرام الأسياد»، «الحقيقة العارية» و«إمبراطورية ميم»، لتؤكد بذلك تنوعها الفنى وقدرتها على تجسيد أدوار مختلفة بمهارة وإتقان. زواجها الأول بعد التحاقها بفرقة نجيب الريحانى، تزوجت الفنانة دولت أبيض من المخرج المسرحى عزيز عيد، وأنجبت منه ابنتيها «إيفون» و«سعاد»، لتشكل معه ثنائياً قوياً على خشبة المسرح وقدما عدة أعمال متميزة، وبعد وفاة زوجها الأول، تزوجت للمرة الثانية من المسرحى اللبنانى جورج أبيض. سينما وتاريخ خالد خلال مسيرتها المسرحية الناجحة، حرصت دولت أبيض على توسيع نطاق تواصلها مع الجمهور عبر السينما، ورغم حصرها فى أدوار الأم وابنة الطبقة الأرستقراطية، استطاعت أن تصنع لنفسها مجداً يذكر، حتى اختير فيلمان من أعمالها ضمن قائمة أفضل 100 فيلم فى تاريخ السينما المصرية حسب استفتاء النقاد عام 1996، وهما «المراهقات» عام 1960 مع ماجدة، و«إمبراطورية ميم» مع فاتن حمامة عام 1972، الذى مثل آخر أعمالها السينمائية. رائدة صناعة السينما لم يقتصر شغف دولت أبيض بالسينما على التمثيل فحسب، بل امتد ليشمل إدارة ودعم الصناعة نفسها، فأسست سينما « الهونولو»، التى أصبحت من أشهر دور العرض فى وقتها، وقدمت خلالها مجموعة من أفلام الأربعينيات والخمسينيات، لتمنح الجمهور تجربة فنية متميزة، إلا أن هذا الإنجاز لم يدم طويلاً، إذ اشتعلت السينما واحترقت بالكامل، منهية إحدى أبرز محطات مساهماتها فى تطوير السينما المصرية. لم تقتصر موهبة دولت أبيض على التمثيل فقط، بل وسعت آفاقها لتصبح كاتبة أيضاً، حيث أبدعت فى تأليف مسرحيتين، الأولى صدرت عام 1922، وسعت من خلالها إلى طرح ومناقشة قضايا ومشكلات المرأة المصرية، قبل أن تلحقها بمسرحية ثانية بعنوان «الواجب»، لتؤكد بذلك حرصها على استخدام الفن كوسيلة للتأثير الاجتماعى والتعبير عن هموم المجتمع. حياة هادئة إنسانياً بعد مسيرة فنية حافلة بالعطاء، اختارت دولت أبيض أن تبتعد تدريجياً عن الأضواء، وتمنح وقتها واهتمامها لأبنائها وأحفادها، متفرغة لحياتها الأسرية، ووجدت فى القراءة متعة خاصة، وفى شهادة مؤثرة، روت ابنتها سعاد فى لقاء متلفز ملامح شخصية والدتها داخل البيت، مؤكدة أنها كانت مثالاً للحنان والاحتواء، تسعى لتوفير الراحة لكل فرد فى العائلة، وتولى والدها عناية خاصة وتقديراً كبيراً، إلى جانب كونها أماً مثالية تتسم بالحزم والانضباط، لا تقبل التهاون فى القيم أو السلوك. رحيل وبقاء الأثر فى صباح الرابع من يناير عام 1978، غيب الموت الفنانة القديرة دولت أبيض، بعد مسيرة فنية وإنسانية حافلة، كانت خلالها محل تقدير الدولة المصرية التى كرمت موهبتها بمنحها جائزة «سينما النيل»، رحلت الجسد وبقى الأثر، إذ ما زالت أعمالها حاضرة على شاشات التلفزيون، وتحفظ سيرتها فى ذاكرة أحفادها ومحبيها، لتظل نموذجاً ملهماً تتعلم منه الأجيال الجديدة من عشاق المسرح والسينما معنى الإخلاص للفن والقدرة على صناعة الخلود.

الاكثر قراءة