الدكتور حسام عبدالغفار بدأ حديثه قائلا: تعد المبادرة الرئاسية «بداية جديدة لبناء الإنسان» هى الترجمة العملية والمباشرة لمشروع الرئيس عبد الفتاح السيسى القومى للتنمية البشرية، وتتمثل ترجمتها على أرض الواقع فى عدة جوانب، أولا: التكامل والتنسيق، حيث التحول من عمل الجهات الحكومية فى «جزر منعزلة» إلى العمل المتكامل والمُنسق بين جميع الوزارات والجهات المعنية (حكومية، أهلية، وخاصة) للوصول إلى نفس الهدف بكفاءة وفعالية أكبر، ثانيا: تكثيف الخدمات المقدمة للمواطن المصرى فى جميع مراحله العمرية حتى «يستشعر الرضا» ومدى اهتمام الدولة به، ثالثا: نظرة شاملة، بمعنى استهداف الإنسان بجميع جوانبه (النفسية، البدنية، الاجتماعية) وضمان توفير الحياة الكريمة له.
المبادرة انطلقت فى سبتمبر 2024، كخطوة تنفيذية للمشروع القومى للتنمية البشرية، وتستهدف بناء الإنسان المصرى من خلال محاور رئيسية، أهمها: محور الأهداف والمجالات المستهدفة ويشمل؛ مجال الصحة ويتضمن توفير نظام صحى يشمل جميع المواطنين، والتركيز على المبادرات الرئاسية للصحة فى كل مرحلة عمرية، مجال التعليم من خلال توفير تعليم أفضل قادر على الإسهام فى توفير وظائف المستقبل، عبر التصدى لتحديات مثل كثافة الفصول، وتأهيل وتدريب المعلمين، وتطوير المناهج، مجال العمل من خلال توفير عمل لائق للجميع، وتأهيل الشباب بالمهارات اللازمة لسوق العمل، مجال الثقافة والهوية ويتضمن التمسك بالقيم والأخلاق والعادات المجتمعية المصرية الأصيلة والحفاظ على الهوية الوطنية، أيضا مجال الحماية الاجتماعية من خلال ضمان حياة كريمة، وتحقيق تنمية عمرانية متكاملة ومستدامة، وتمكين المرأة، وتعزيز تكافؤ الفرص.
وتوضح الأرقام المعلنة من نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية البشرية وزير الصحة والسكان الدكتور خالد عبد الغفار فى ديسمبر 2024، أن حجم العمل خلال الـ100 يوم الأولى من عمل المبادرة، بلغ إجمالى عدد الخدمات نحو 288 مليونا و190 ألف خدمة، منها الخدمات الصحية المتنوعة نحو 224 مليوناً و842 ألف خدمة، التدخلات الجراحية (قوائم الانتظار) بلغت 148 ألفًا و819 تدخلًا جراحيًا، القوافل الطبية الشاملة بلغت 1,525 قافلة، وقدمت نحو مليون و587 ألف خدمة، وتم تنظيم فاعليات (لتنمية مهارات الطلاب والمعلمين) بلغت 5 ملايين و293 ألف فاعلية، شارك بالمبادرة 32 جهة حكومية وأهلية وخاصة.
يوضح د. حسام أن حجم الكثافة بلغ 288 مليون خدمة، ويعكس هذا الرقم نجاح المبادرة فى تحقيق هدفها الأساسى، وهو تكثيف الخدمات بشكل غير مسبوق فى فترة قصيرة (100 يوم)، ما يؤدى إلى شعور المواطن باهتمام الدولة، وتوضح الأرقام التركيز على الصحة (78 فى المائة من الخدمات)، يظهر أن الصحة هى القاطرة الأساسية لبناء الإنسان، فإنسان مريض أو يعانى من مشاكل صحية لن يتمكن من الاستفادة الكاملة من فرص التعليم أو العمل، أيضا بالنسبة لقوائم الانتظار تم إنهاء ما يقرب من 150 ألف تدخل جراحى يمثل مردودًا اجتماعيًا وإنسانيًا هائلًا، أيضا التدريب وتنمية المهارات تم إنجاز أكثر من 5 ملايين فاعلية لتنمية مهارات الطلاب والمعلمين يوضح أن المبادرة تستثمر فى القدرات البشرية لتحسين مخرجات سوق العمل مستقبلًا.
تحديات تنفيذ مبادرة «بداية»، كما يبين د. حسام، تتركز فى عدة نقاط منها التنسيق بين الجهات، التمويل والموارد، وتم التعامل مع هذا التحدى من خلال التنسيق مع جهات تمويلية كبرى مثل البنك المركزى والبنك الدولى لتوفير التمويل والدعم للبنية التحتية للمستشفيات والتجهيزات الطبية، وفيما يتعلق بالمعوقات التشريعية والمؤسسية، تم العمل على وضع تصور شامل للمبادرات والبرامج المستقبلية، مع التصدى للتحديات المتعلقة بالتشريعات والترتيبات المؤسسية، تحد آخر وهو استدامة الأثر من خلال التأكيد على أن المبادرة هى جزء من مشروع قومى مستدام لا يتوقف، بل يستمر مع وجود الإنسان المصري، مع وضع مؤشرات أداء دقيقة للسنوات القادمة.
ويتابع: المبادرة تضمنت مساهمة القطاع الحكومى والمجتمع المدنى والقطاع الخاص، فالمبادرة تعتمد على مشاركة 32 جهة متنوعة، وهذا التنسيق هو أحد المحاور الجديدة للمبادرة، وتتمثل آلية التنسيق فى دمج جهود هذه الأطراف تحت مظلة موحدة (المجموعة الوزارية للتنمية البشرية) لضمان عدم تضارب الجهود والوصول إلى الفئات المستهدفة بشكل أسرع وأكثر كفاءة، فعلى سبيل المثال مساهمة البنك المركزى فى دعم قوائم الانتظار والبنية التحتية، وهو مثال بارز لدور القطاع المالى فى التنمية البشرية.
الجديد الذى ستقدمه المبادرة خلال الفترة المقبلة، وفقًا لدكتور حسام، يتعلق بالسردية الوطنية للتنمية البشرية، فيتم العمل حاليًا على صياغة «السردية الوطنية»، التى تمثل القصة الكبرى للدولة المصرية لشعبها، وتهدف إلى بناء مواطن متعلم وماهر، من خلال منهجية دورة الحياة عن طريق التركيز على تطوير محور التنمية البشرية وفق منهجية «دورة الحياة»، أى استهداف الإنسان فى كل مرحلة عمرية (من الطفولة إلى سوق العمل)، أيضا حضانات مراكز الشباب، حيث سيتم إنشاء حضانات أطفال داخل مراكز الشباب والأندية، وتشكيل لجنة تنسيقية لوضع منهج موحد بجميع الحضانات، يشمل الجوانب العلمية والتربوية، أيضا تحديد أهداف ومؤشرات دقيقة للسنوات القادمة.
ويضيف أن السردية الوطنية هى القصة الكبرى أو الرؤية المشتركة التى تقدّمها الدولة لشعبها حول كيفية بناء الإنسان المصرى (أو أى إنسان فى أى دولة) جسديًا وفكريًا وعاطفيًا ومهاريًا، بحيث يصبح قادرًا على العيش بكرامة، والمنافسة عالميًا، والمساهمة فى تقدم بلده، ويمكن القول إن السردية الوطنية للتنمية البشرية هى «حلم الدولة لمواطنيها» مكتوب فى شكل خطة طويلة الأجل، مدعومة ببرامج وقرارات وميزانيات ومؤشرات قياس واضحة.
ويتابع د. حسام: فى السياق المصرى الحالى (2024-2030) تتلخص هذه السردية فى عدة محاور، منها «الإنسان المصرى هو أغلى ما نملك»، أيضا الخطة تتضمن مجموعة برامج وميزانيات ومؤشرات، أما السردية فهى القصة التى تجمع كل هذه البرامج تحت مظلة معنوية واحدة، تجعل المواطن يشعر أن كل مشروع (سواء مستشفى أو مدرسة أو قرية حياة كريمة) جزء من حلم أكبر اسمه «بناء الإنسان المصرى الجديد».
لذلك عندما تسمع مسؤولًا مصريًا يقول «نحن نبنى الإنسان قبل الحجر» أو «الاستثمار فى البشر هو الأولوية الأولى»، فهو يتحدث بالضبط عن السردية الوطنية للتنمية البشرية، فهى الإجابة المصرية عن السؤال الأهم: «إحنا بنعمل كل ده ليه؟» والإجابة: عشان فى 2030 يكون عندنا جيل جديد من المصريين أصحاء، متعلمين، ماهرين، واثقين من نفسهم، قادرين على قيادة بلدهم لمكان أفضل.
ويوضح أن «مبادرة بداية جديدة لبناء الإنسان» هى فى الأساس المرادف أو الإطار التنفيذى الفعلى لـ«المشروع القومى للتنمية البشرية»، وليسا كيانين منفصلين بشكل تام، ولكن يمكن التمييز بينهما من حيث المفهوم العام، فالسردية هى الرؤية الاستراتيجية الشاملة والمستدامة للدولة المصرية لبناء الإنسان والاستثمار فى رأس المال البشري، بهدف تنمية الإنسان المصرى والعمل على ترسيخ الهوية المصرية، وخلق إنسان متميز صحيًا، ثقافيًا، تعليميًا، ولديه المهارات لسوق العمل، أما المبادرة الرئاسية التنفيذية التى أُطلقت لتكون بمثابة الإعلان وبدء العمل الفعلى ضمن محاور المشروع القومي، بهدف تجسيد استثمارات الدولة فى مجال التنمية البشرية وإبراز الخدمات وأسلوب تقديمها للمواطن بصورة تكاملية.
ويضيف أن السردية مشروع قومى مستدام وطويل الأجل، يهدف لتحقيق رؤية مصر 2030، وتضم برامج عمل مجمعة تستهدف جميع الفئات العمرية (منذ الولادة وحتى فوق 65 عامًا)، أما المبادرة فتم إطلاقها بمدة زمنية محددة (100 يوم فى البداية) كإطار عمل مكثف وسريع الأثر، وتركز على محاور رئيسية متعددة مثل الصحة، التعليم، الثقافة، الرياضة، وتوفير فرص العمل، مع التركيز على بناء الوعى.
ويختتم د. حسام قائلا إنه يمكن اعتبار المشروع القومى للتنمية البشرية هو الإطار العام والرؤية الاستراتيجية للدولة، بينما مبادرة «بداية جديدة لبناء الإنسان» هى الآلية الرئيسية والمنصة الإطلاقية لتنفيذ محاور هذا المشروع القومى بشكل متكامل ومركّز على المديين القصير والطويل.