رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الدبلوماسية المصرية.. توازن إقليمى وشراكة استراتيجية


1-1-2026 | 09:29

.

طباعة
بقلم: د. غادة جابر

واجهت السياسة الخارجية المصرية فى العقد الماضى بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، نتيجة صعود الانقسامات الإقليمية، والصراعات بين القوى الكبرى، وتحولات فى النظام الدولى خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية، فضلاً عن تداعيات النزاعات فى الشرق الأوسط وإفريقيا. فى هذا السياق، لعبت مصر، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، دورًا محوريًّا فى إدارة الملفات الإقليمية الحساسة، مع محاولة تحقيق توازن بين المصالح الوطنية، ودورها القيادى فى القضايا العربية والإفريقية، ومتطلبات العلاقات مع القوى الدولية الكبرى.

 

لذا فإن استراتيجية السياسة الخارجية للسنوات الأخيرة تبنى على قاعدة «التوازن الاستراتيجي»، التى تجمع بين حماية المصالح الوطنية، وتوسيع الشراكات المتعددة، وتعزيز المبادرات الدبلوماسية لحل النزاعات دون الانخراط فى أزمات وذلك للمحافظة على الإصلاحات ومسيرة التنمية التى تعمل عليها الدولة المصرية والحفاظ على أمنها القومي.

فى هذا السياق برزت مقاربة مصرية متسقة تمزج بين حماية الأمن القومي، ودعم الاستقرار الإقليمي، والتوسع فى الشراكات الدولية، والاعتماد على الدبلوماسية النشطة بدل المواجهة العسكرية، وأعادت القيادة السياسية صياغة دور مصر كلاعب محورى فى ملفات الشرق الأوسط وإفريقيا، ما عزز أهميتها الدبلوماسية فى مؤسسات أُممية مثل الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبى كتفاً إلى كتف مع الاقتصاد والتنمية والسلم والأمن.

وعملت سياسة مصر جاهدة لحلحلة القضية الفلسطينية وقطاع غزة بالوساطة الفاعلة، فأضحى الملف الفلسطينى وخصوصاً غزة محوراً مركزياً فى السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة، مع تصاعد النزاع وتصاعد الدور المصرى للضغط على المجتمع الدولى لإنهاء الصراع بطريقة عادلة.

لعبت الوساطة السياسية والجهود الدبلوماسية المصرية دور الوسيط الدولى فى السعى لوقف إطلاق النار، وتنسيق تبادل الأسرى، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية لقطاع غزة، كشفت الاتصالات الرئاسية بين الرئيس السيسى والأمين العام للأمم المتحدة عن رغبة مصر فى تثبيت وقف إطلاق النار ورفض تهجير الفلسطينيين من أرضهم.

وفقاً لهذه الخطى الحثيثة منذ اندلاع الأزمة عام 2023 وحتى نهاية 2025 من مؤتمر القاهرة إلى اتفاقية وقف إطلاق النار فى شرم الشيخ بحضور زعماء العالم وفى مقدمتهم رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، الذى جاء مُلبياً دعوة الرئيس السيسى ليوثق حق الفلسطينيين فى عيشة آمنة وعادلة.

استضافت القاهرة مؤتمرات عربية لبحث الحلول والتوافق على مواقف موحدة، كما ساهمت مصر فى بلورة خطة عربية إسلامية لإعادة الإعمار، معتبرة ذلك خطوة نحو تحقيق سلام دائم وعادل تتوافق مع القانون الدولي.

ويحل عام 2026 محملاً بالطموحات السياسية العادلة وتنفيذ المقترحات الاستراتيجية لإعمار القطاع وفق إعلان مصر عن قدرتها لتقديم تصور متكامل لإعادة إعمار غزة يضمن بقاء السكان الفلسطينيين فى أرضهم، ودعم صمودهم، واحترام حقوقهم المشروعة، فى مواجهة بعض مقترحات الضغط الدولية لإعادة توطين السكان خارج القطاع.

إن الموقف المصرى فى ملف غزة تميز بمحاولة التوفيق بين البعد الإنسانى الذى يركز على حماية المدنيين وتقليل المعاناة والبعد السياسى للضغط من أجل حل سياسى شامل بهذا المعنى، يمكن تصنيف الدور المصرى ضمن ما يعرف فى الدراسات الدولية دبلوماسية النُخبة الوسطى (niche diplomacy) التى تسعى لتعظيم التأثير من خلال الوساطة البناءة بين أطراف النزاع.

لم يكن السودان أزمة عابرة بل شراكة واستقرار مشترك، يقف السودان على رأس أولويات القاهرة، ليس بوصفه جاراً فحسب، بل باعتباره شريكاً استراتيجياً فى قضية مياه النيل والأمن القومى المصري، ودعم الاستقرار السياسي، دارت جهود مصر منذ اندلاع الأزمة السودانية فى 2023 حول دعم وحدة البلاد واستقرار مؤسساتها، وتجنب تحول النزاع إلى مشتتات مهددة للاستقرار الإقليمي، وأكد وزير الخارجية المصرى خلال زيارات متعددة للمسؤولين السودانيين تضامن القاهرة مع الشعب السوداني، وحرصها على دعم الأمن والسلام هناك.

المياه وأمن الموارد المائية أمن قومى لمصر والسودان، وتُعد مياه نهر النيل محوراً مركزياً فى العلاقات المصرية السودانية، نظراً لاعتماد مصر شبه الكامل على مياه النيل فى الزراعة والشرب والطاقة، وقد أصبحت تطورات مشاريع السدود فى الإقليم، وعلى رأسها السد الإثيوبي، قضية ضغط وأولوية فى السياسة الخارجية المصرية، رغم استمرار التفاوض مع إثيوبيا وجيران الحوض، ترى مصر أن أى تغيير أحادى المصلحة فى توزيع المياه يمثل تهديدًا لأمنها القومي.

وفى هذا السياق تذهب سياسة مصر لدعم ليبيا نحو استقرار مؤسسي، فيمثل الملف الليبى تحديًا آخر فى إطار السياسة الخارجية المصرية، حيث تسعى القاهرة إلى تعزيز الاستقرار الوطنى الليبى عبر دعم المسار السياسى وعودة الدولة الوطنية القوية، فيعمل الدعم الدبلوماسى لتوحيد المؤسسات، فشارك الجانب المصرى فى اجتماعات رباعية مع دول عربية مثل الجزائر وتونس لتعزيز بيئة سياسية مستقرة فى ليبيا، مع تأكيد ضرورة خروج القوات الأجنبية والمرتزقة، وتفعيل مؤسسات الدولة الليبية التى تمثل جميع مكونات المجتمع، ختاماً للعام الجاري، عمل الدكتور بدر عبدالعاطى وزير الخارجية المصري، على اجتماع وزراء خارجية ثلاث دول عربية لدعم الدولة الوطنية الليبية وخروج المرتزقة والميليشيات من الأراضى الليبية، وذلك بحكم البعد الجغرافى والأمنى لتلك الدول الثلاث، مصر والجزائر وتونس، عملاً على مبدأ الحد من التشرذم الليبى وانتشار التنظيمات الإرهابية، ومنع تصدير الفوضى لدول الجوار.

ولم تؤثر كل هذه الضغوط الإقليمية لدول الجوار على العلاقات المصرية مع الاتحاد الأوروبي، حفاظاً على علاقات مصر الخارجية بل والاستثمار فيها لتحقيق مكاسب شاملة، سياسية واقتصادية ومجتمعية، فتنظر مصر إلى الاتحاد الأوروبى كشريك استراتيجى فى مجالات اقتصادية وسياسية متعددة، تشمل التعاون فى الاستثمار، إدارة ملف الهجرة، ومواجهة التحديات الإقليمية.

فعملت الخارجية المصرية على الشراكة الاستراتيجية فى عهد الرئيس السيسى وعقدت اجتماعات رفيعة المستوى مع ممثلين من الاتحاد الأوروبى لتعزيز التعاون الشامل فى مجالات الاستثمار والطاقة والهجرة، وتم التأكيد على أهمية حل النزاعات الإقليمية بما يحفظ الاستقرار، وكانت زيارة الرئيس للاتحاد الأوروبى فى نهاية العام بمثابة ركيزة لقوة مصر فى الغرب، واحتفاء زعماء دول أوروبا بحضور الرئيس مثل مكانة مصر أمام العالم، وتأييد دول الغرب لسياسة مصر الداعمة للاستقرار والتنمية.

تواجه مصر وأوروبا تحديات مشتركة، بينما تظل مسألة الهجرة غير النظامية محور تفاهم مشترك، لتواجه العلاقات المصرية الأوروبية تحديات تتعلق بحقوق الإنسان والأمن، مما يتطلب فضاءات تفاهم مستمر بين الجانبين.

وتظل العلاقات المصرية الأمريكية امتداداً تاريخياً بعيداً، تمتد من اتفاقيات السلام إلى التعاون فى ملفات الأمن والتنمية، فى السنوات الأخيرة، ظل الملف الفلسطينى محوراً واضحاً فى النقاشات بين القيادات المصرية والأمريكية، بما يشمل حث الجانبين لإيقاف القتال وتسهيل تمرير المساعدات الإنسانية.

سُلط الضوء على عدد كبير من الزيارات الرئاسية الخارجية التى قام بها الرئيس السيسى خلال العقد الماضى لتعزيز دور مصر فى المحافل الدولية، وتوقيع اتفاقيات تعاون مع دول آسيوية، إفريقية وأوروبية.

تظهر السياسة الخارجية المصرية فى أحلك أزمنتها كسياسة ديناميكية متعددة الأبعاد، تحاول المزج بين التوازن السياسي، والدفاع عن المصالح الحيوية، والدور الإقليمي، والتحرك البناء فى المحافل الدولية، لقد رسّخت مصر عبر ملفات غزة، والسودان، وليبيا، ودول حوض النيل، وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، نموذجًا يعكس أولوية الأمن القومي، والدعم الدبلوماسى للأزمات، وتعزيز الشراكات الدولية.

أرى أن تطلعات سياسة مصر الخارجية فى عام 2026 تخطو بين تثبيت الدور الإقليمى وإعادة صياغة الشراكات الدولية، فمع بداية عام 2026 تبدو السياسة الخارجية المصرية أمام مرحلة مفصلية تتجاوز منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء الدور وتثبيت المكانة فى إقليم مضطرب ونظام دولى يشهد تحولات هيكلية عميقة، مصر بحكم موقعها الجغرافى وثقلها الديموغرافى وتاريخها السياسي، لا تتحرك فى الفراغ، بل فى قلب معادلات أمنية واقتصادية واستراتيجية متشابكة، تجعل من سياستها الخارجية أداة لحماية الأمن القومي، ورافعة لتعظيم المصالح الوطنية.

تستند تطلعات مصر الخارجية فى 2026 إلى مجموعة من الثوابت الحاكمة، فى مقدمتها الحفاظ على الدولة الوطنية، ورفض التدخلات الخارجية، ودعم الحلول السياسية للأزمات، مع الربط بين الأمن والتنمية، إلا أن الجديد فى هذه المرحلة هو السعى الواضح إلى الانتقال من سياسة «احتواء المخاطر» إلى سياسة «صناعة التوازن» سواء على المستوى الإقليمى أو الدولي.

فى هذا السياق، تتطلع القاهرة إلى لعب دور أكثر تأثيراً فى صياغة الترتيبات الإقليمية، لا الاكتفاء بالتفاعل معها، مستفيدة من شبكة علاقاتها المتنوعة، وقدرتها على التواصل مع أطراف متناقضة دون الانخراط فى محاور صلبة.

ومن إدارة الأزمات إلى هندسة الاستقرار، تظل القضية الفلسطينية، وبالأخص ملف غزة، فى صدارة أولويات السياسة الخارجية المصرية، وفى 2026 تتطلع مصر إلى ترسيخ دورها كـضامن إقليمى للتهدئة، ووسيط رئيسى فى أى مسار لإعادة الإعمار أو إعادة ترتيب المشهد الفلسطيني، ويتجاوز الطموح والهدف المصرى مجرد وقف إطلاق النار، إلى الدفع نحو أفق سياسى يحفظ الحقوق الفلسطينية ويمنع تصفية القضية.

فى ليبيا، تسعى مصر إلى استكمال جهود توحيد المؤسسات، وربط الاستقرار السياسى بالمسار الأمني، بما يضمن إنهاء ظاهرة الميليشيات ويمنع تحول ليبيا إلى ساحة صراع إقليمى مفتوح، أما فى السودان، فتتطلع القاهرة فى 2026 إلى لعب دور محورى فى دعم تسوية سياسية شاملة، انطلاقًا من إدراكها العميق لارتباط الأمن السودانى المباشر بالأمن القومى المصري، خاصة فيما يتعلق بالحدود ومياه النيل.

تسعى مصر إلى إعادة بناء الثقة مع دول حوض النيل على أساس المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة، مع الاستمرار فى الدفاع الصارم عن حقوقها التاريخية فى مياه النيل، وفى 2025 يُنتظر أن تركز السياسة الخارجية المصرية على تدويل مفهوم الأمن المائى باعتباره جزءًا من الأمن الإنسانى والاستقرار الإقليمي.

يمثل العمق الإفريقى أحد أهم محاور التطلعات المصرية فى 2026 فبعد سنوات من العودة النشطة إلى القارة، تتطلع القاهرة إلى تحويل الحضور السياسى إلى نفوذ اقتصادى وتنموي، عبر الاستثمار، ونقل الخبرات، والمشاركة فى مشروعات البنية التحتية والطاقة، ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن المنافسة الدولية فى إفريقيا لم تعد أمنية فقط، بل تنموية بالأساس.

تتجه السياسة الخارجية المصرية فى 2026 إلى تعزيز العمل العربى المشترك، ولكن برؤية واقعية تتجنب الشعارات، فمصر تسعى إلى الحفاظ على توازن علاقاتها مع دول الخليج، ودعم استقرار الدول العربية التى شهدت صراعات داخلية، مع رفض أى مسارات تقسيم أو وصاية خارجية.

إن القاهرة تراهن على دورها كدولة ارتكاز لا كطرف فى الاستقطاب، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على الوساطة واحتواء الخلاف.

فى 2026 تتطلع مصر إلى إعادة صياغة علاقتها مع الولايات المتحدة على أساس المصالح المتبادلة، لا التبعية السياسية، فالقاهرة تسعى إلى شراكة استراتيجية تحترم خصوصية القرار الوطني، وتوازن بين التعاون الأمنى والمصالح الاقتصادية.

تكتسب العلاقات المصرية مع الاتحاد الأوروبى أهمية متزايدة، خاصة فى ملفات الطاقة، والهجرة، والاستقرار الإقليمي، وتتطلع مصر إلى أن تتحول من دولة عازلة للهجرة غير الشرعية إلى شريك تنموى فى معالجة جذور الأزمات.

يمثل التوجه شرقًا أحد أعمدة السياسة الخارجية المصرية. ففى 2026 تسعى القاهرة إلى تعميق شراكاتها مع روسيا والصين فى مجالات الطاقة، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، بما يعزز هامش الحركة الاستراتيجية ويقلل من الاعتماد على طرف واحد.

أحد أبرز تطلعات السياسة الخارجية المصرية فى 2026 هو تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية، وربط السياسة الخارجية بجذب الاستثمار، وفتح الأسواق، وتعزيز الصادرات، فالدولة باتت تنظر إلى سفاراتها وبعثاتها الخارجية كأدوات للتنمية، لا مجرد منصات سياسية.

ختاماً إن تطلعات سياسة مصر الخارجية فى عام 2026 تعكس انتقالاً واضحاً من سياسة رد الفعل إلى سياسة الفعل، ومن إدارة الأزمات إلى محاولة صياغة مسارات الاستقرار، فالقاهرة تدرك أن قوتها لا تكمن فقط فى تاريخها أو موقعها، بل فى قدرتها على قراءة التحولات الدولية، وبناء شراكات مرنة، وحماية مصالحها الوطنية دون صدام أو عزلة، وفى عالم يتغير بسرعة، تسعى مصر إلى أن تكون دولة توازن لا دولة تبع، وصاحبة دور لا مجرد ساحة تأثير، وهو رهان سياسى يتطلب دبلوماسية نشطة، ورؤية استراتيجية طويلة المدى، ومصر دائماً تثبت للعالم أنها تستطيع بقوة شعبها وحنكة قادتها السياسية وترابط وتلاحم مؤسساتها الوطنية.

 
 
 
 
 
 

أخبار الساعة