احتراز وجوبى، هذه السطور خارج المعركة المحتدمة حول فيلم «الست»، فحسب شهادة تاريخية موثقة تبرهن على علاقة طيبة جمعت بين خالد الذكر الزعيم جمال عبد الناصر، وكوكب الشرق (أم كلثوم)..
الفيلم (الست) يحفل بمحطات وجدانية مكثفة تظهر أم كلثوم فى لحظات انكسار حقيقى، قبل أن تعود فتنهض بقوة أشد.
ومن أبرز تلك اللحظات فترة ما بعد ثورة الضباط الأحرار، حين تعرضت لهجوم صحفى قاس واعتبرت رمزا للعهد السابق، ما دفعها إلى الانزواء بعد تساقط شعرها وتراجع صحتها، حتى جاء طلب جمال عبد الناصر لأغنية جديدة فى حفل رسمي، وهو ما أعادها إلى المسرح والجمهور فى لحظة استعادة تاريخية.
هذا ما انتهى إليه الفيلم الذى جسد فيه الممثل الجميل «عمرو سعد» دور الزعيم جمال عبد الناصر فى مشاهد معدودة على هامش حياة كوكب الشرق، وناصر لم يكن يوما فى الهامش، ولكنها السينما التى تهمش المتون، وتمتن الهوامش بلغتها الخاصة.
يروى سامى شرف: «مساء أحد الأيام بلا موعد مسبق أبلغنى محمد السعيد ـ سكرتيرى الخاص ـ أن الست وصلت وأنها تجلس فى الصالون الملحق بمكتبى، فقمت وتوجهت إلى الصالون لأجد السيدة أم كلثوم تجلس وبيدها مروحة تهوى بها على وجهها، حيث لم يسعف الوقت محمد السعيد لتشغيل جهاز التكييف ليسارع بإبلاغى بوصولها..
كانت الابتسامة الهادئة على وجه الست عندما جلست إلى جوارها وبادرتنى قائلة:
أنا آسفة يا أستاذ سامى إنى جيت بدون موعد ولكنك إنت اللى قلت لى من قبل إن ما فيش مواعيد بينى وبينك وإنى أقدر أقابلك على طول.. فقلت لها: يا ست وأنا مازلت عند كلامى وأنا تحت أمرك.
فقالت يا سيدى محمد الدسوقى عايز منك خدمة، وإنت طبعا عارف وضعه فى الشركة.
فقلت محمد حسب علمى ماشى كويس ومافيش أى شكوى منه خالص.
فقالت: ما هو علشان هو ماشى كويس أنا بأترجاك إنك تتكلم مع الوزير بتاعه ليرقيه.
فقمت ورفعت سماعة التليفون وطلبت الدكتور عبدالعزيز حجازى وزير الخزانة ـ فى ذلك الوقت ـ واستفسرت منه فى حضور الست عن وضع محمد الدسوقى، فقال لى إنه من العناصر الشابة الواعدة، فلما استفسرت منه عن إمكانية ترقيته، قال لى إنه من جانبه لا اعتراض على الترقية بل إنه يؤيد ترقيته، ولكن المشكلة أنه ليس هناك بند فى الميزانية يسمح بتنفيذها فشكرته وأنهيت المكالمة.
اندهشت الست لإنهائى المكالمة دون الوصول إلى قرار أو مجادلة بينى وبين الدكتور حجازى، فقلت لها إن حل مشكلة محمد الدسوقى ليس فى قدرة الوزير، ولكن تحتاج لقرار من الرئيس لكى يتجاوز الوزير إحدى مواد الميزانية لتتم ترقية محمد وقلت للست إنى سأعرض الأمر على الرئيس وسأبلغها بما ينتهى إليه قراره.
وفى تلك اللحظة أنارت اللمبة الحمراء بما يفيد أن الرئيس على الجانب الآخر من الخط التليفونى المباشر بينه وبينى فقلت: أفندم..
قال الرئيس: فيه عندك حد يا سامى ـ وكان دائما يسأل هذا السؤال قبل الاسترسال فى المكالمة ـ فقلت أيوه يافندم عندى الست! فطلب التحدث معها وبعد الاطمئنان على صحتها وأحوالها أبلغته بالموضوع فقال لها الرئيس: طيب إدينى سامى..
وأمرنى الرئيس بالاتفاق مع حجازى على تسوية موضوع ترقية محمد الدسوقى.. وقمت من فورى وأمام أم كلثوم بالاتصال به وأبلغته بأوامر الرئيس وتمت ترقية محمد الدسوقى.
وبعد نكسة 1967 وعندما قررت السيدة أم كلثوم المساهمة بدور إيجابى لدعم المجهود الحربى والقيام بزيارات للخارج لإقامة حفلات يكون دخلها أحد أركان المساهمة فى هذا المجهود قرر الرئيس جمال عبد الناصر أن تمنح السيدة أم كلثوم جواز سفر دبلوماسيا، وكانت سابقة لم تحدث من قبل فى تاريخ مصر، ولم تتكرر حسب علمى.
وقد قمت بإبلاغ هذا القرار للسيد محمود رياض الذى كلف أحد أعضاء إدارة المراسم بوزارة الخارجية بالتوجه إلى منزل السيدة أم كلثوم لتسليمها جواز السفر، وعندما اتصلت فى نفس الوقت بالسيدة أم كلثوم لإبلاغها بهذا القرار، احتبس صوتها تأثرا وهى تشكرنى إزاء هذه اللفتة من الرئيس جمال عبدالناصر».
