وهكذا عزمتُ على قدر استطاعتى أن أضيءَ بعضًا من ثنايا مسيرة هاتين السيدتين فوق العادة، نساءٍ لا تجود السماء بمثلهنّ إلا نادرا. ورغم اختلاف الثقافات وتباعد الأيام وتباين الروايات، فإنّ نجاحهما واحد وجرحهما واحد، وألمهُما واحد، ذلك الألم الذى يلازم المرأة حين تبلغ ذروة السُموّ المهني، وترتقى سُلَّمًا آخر من السُموّ الروحى بعد أن فتحت لها التجربة باب «الاختلاف»، فمارست رياضته بمهارة، وأتقنت مفرداته وتباهت بفرادته، بل وأدمنته حتى أنفقت فى سبيله عمرًا وصبرًا يشبهان الفداء.
فكيف لها إذن أن تُساير منْ حولها؟
وكيف لها أن تجد رجلًا يتّسع صدره لكل هذا الاستثناء.. لكل هذه المكونات الخارِجة عن نطاق المألوف؟
مهما تعقّد الجواب على مثل هذه الأسئلة، يبقى التاريخ شاهدًا أن ثمة نساء خَلَقهن الله ليَكسَرنَ القاعدة، لا ليخضعن لها!.
عزيزى القارئ
لا يَشتهَر الفنان لأنه أَعلى صوته بالغِنّاء، بل لأنه لمس القلوب.
لا يُخلّد الفنان لأنه شَجى الآذان بالطَرب بل لأنه عَبَر عما لا يُقال.. كلِمات وآهات وقصائد عشق وترنيمة الحب.
عن أم كلثوم كوكب الشرق وإيديث بياف نجمة الغرب أتحدث.
أتحدث عن اسمين يلمعان فى ذاكرة الشعوب
أتحدث عن اسمين نُسِجت حروفهما على خيوط نول القَدَر ذاته
أتحدث عن امرأتين صاغتا الوجدان الإنسانى بعدما امتلكتا ناصية الوعى والحكمة، وانتفضتا من رحم الشقاء ووقفتا على المسرح وأخذتا تملأن الدنيا من حولهما بالغناء.. الغناء وكأنه طوق نجاة من قسوة الحياة، وصوت الذاكرة فى مجابهة طيات النسيان، والأهم من كل ذلك، كون هذا الغناء بمثابة رد اعتبار لأرواح منكسرة وصوت لا يغادر أبد الدهر أذن منْ يستمع له بل ولا يمكن تنحيته ولا نسيانه، فيكون البقاء.
ولهذا، حين نسمع «الأطلال» لأم كلثوم أو «ترنيمة الحب» لإيديث بياف، لا نسمع موسيقى فقط بل نسمع بقاءً، ونستعيد حكاية امرأتين تحدّتا مصيرهما، بل وصنعت مصائر الآخرين.
هذا المقال ليس مجرد مقارنة بين أيقونتى الغناء فى القرن العشرين أو سردية تحليلية عن صوتين عظيمين من التاريخ الحديث، بل محاولة للاستماع إلى ما وراء الأصوات، والوقوف أمام تلك الإرادة التى أشعلت فتيل التوهج والحماس:
وهنا أشاركك حيرتى واندهاشى وأنا أكتب هذا المقال، كيف استطاعت أم كلثوم أن ترفع القصيدة إلى مقام الطقوس؟ وكيف جعلت بياف من البساطة اعترافًا كونيًا بالحب؟ وكيف استطاع إرث السيدتين أن يتضافر بخُصَلِه مع ضفيرة الزمن ذاتها حتى يتحول الغناء إلى فعل بقاء، والفنً إلى قول فصل؟
نعم قد يجمع التاريخ ما تفرّقه جغرافية المكان..
رغم أن العالم لم يرَ أم كلثوم وبياف على مسرح واحد، إلا أن ذاكرة الشعوب جمعتهما لأنهما تمسّان شيئًا أكبر من اللغة، تمسّان الإنسان: أم كلثوم أيقونة الشرق، وصوت الحضارة المتجذّر وبياف وجدان باريس وصوت المدينة التى تتباهى بمتناقضاتها، كلاهما بقى لأن الناس، فى لحظات المصارحة مع أنفسهم، يحتاجون إلى صوت يشبههم أو يشبه ما يصبون إلى سماعه.
فعلى سبيل المثال، فى أشهر أغانى إيديث بياف، «ترنيمة الحب» والتى تغنى بها أشهر مطربى الكوكب وبكل لغات العالم، قالت:
سيكون مصير عشقنا الخلود..
تماما مثل زرقة السماء الممتدة للاحدود
هناك فى السماء (عند الله).. لا يوجد هذى
حبيبي.. هل تؤمن بـ«دين» الحب؟ هذا الذى يؤلف الله ـ فى ثنايا عقيدته ـ بين قلوب العشاق؟
أما كوكب الشرق، فتهادت وكأنها ترد على بياف، فقالت فى أغنية ألف ليلة وليلة:
الليل وسماه ونجومه وقمره وسهره
وإنت وانا.. يا حبيبى أنا..
كلنا فى الحب سوا
والهوا آه منه الهوا
وختمت الأغنية وكأنها تعلى حب الله لمشاعر الحب والأحباء على غرار بياف فتقول:
قول الحب نعمة مش خطيه
الله محبة الخير محبة النور محبة
عزيزى القارئ
بدأت أم كلثوم وإيديث بياف مسيرتهما من هامش المجتمع حتى انتهت فى أعلى قمم المجد بعد رحلة عاصفة صنعت الأسطورتين، إحداهما فى الشرق والأخرى فى الغرب ومعًا شكّلتا ذاكرة شعوب العالم أجمع.
ففى قرية طماى الزهايرة بدلتا مصر، ولدت أم كلثوم وترعرت وهى ترتدى زى صبي، الذى فرضه عليها والدها فى بداية غنائها للموشحات، وبصوت أثار دهشة كل منْ سمعه، لم يكن الطريق مفروشا بالدفء، بل بالعناء والشقاء والتدرّب الصارم الذى حوّل موهبتها إلى بنيان متين يقف فى وجه الزمن.
وعلى الضفة الأخرى للمتوسط، وبالتحديد فى باريس، من أب ذى أصول إيطالية، وأم ذات أصول مغاربية ولدت إيديث بياف وترعرعت فى أجواء فقيرة ومتردية أخلاقيا، لم تتلقَ خلالها أى قدر من تعليم وعاشت طفولة صعبة، إذ عاد والدها من المشاركة فى الحرب العالمية الأولى للعمل كراقص ومؤدٍ للفنون فى الشوارع، وصار يأخذها معه للغناء وهى لم تتجاوز 12 سنة،وعندما بلغت من العمر 17 سنة تعرفت إديث بياف على شاب يدعى لويس دوبون، ووقعت فى حبه، وأنجبت منه طفلتها الوحيدة، لكن علاقتهما لم تدُم طويلاً وانفصلا بعد فترة قصيرة، فتحملت تربية ابنتها وحيدة، قبل أن تموت عندما بلغت من العمر سنتين فقط، بسبب مرض التهاب السحايا، لأنها كانت تحملها معها خلال غنائها فى الشارع فى أجواء البرد القارس. وتوالت قصص الحب فى حياتها.
امتلكت إيديث بياف ما لا يُدرّس مثل الجرأة وكرم العطاء وصدق التعبير فكانت تغنى كأنها تقف على الحافة دائمًا، ولا تملك إلا صوتها كى تنجو. ورغم التباعد الجغرافى والثقافي، فإن بدايتهما من هامش المجتمع بغض النظر عن فقر أسرة إيديث، قد وحدت بينهما فى عمق التجربة.
أكتب هذا المقال وأنا أستمع إلى أغنية الأطلال..
يا فؤادى لا تسل أين الهوى
كان صرحاً من خيالٍ فهوى
إسقنى واشرَبْ على أطلالهِ
واروى عنى طالما الدمع روى
كيف ذاك الحب أمسى خبراً
وحديثاً من أحاديث الجـوى
ما أروع هذه التجربة الروحية!
أى إبداعٍ هذا الذى يتدفّق من صوت امرأةٍ شيّدت بصوتها صرحاً من جماليات العربية، بناءٌ موسيقى فخم، وعمقٌ شعرى آسِر، وأداءٌ طقوسى قادر على استحضار عوالم كاملة من الوجد.
إنها قدرة نادرة على خلق حالة من السلطنة، حيث تمتدّ الجملة الموسيقية فى فضاءاتٍ لا حدّ لها، فتسرى فى الروح كما يسرى الضوء فى أفق واسع، وعندما أفقت من هذه الحالة، وددت العودة لكتابة المقال، فاتجهت نحو كتاب أنيق فى مكتبتى الشخصية عن قصة حياة إيديث بياف وتصفحته، وتوقفت كثيرا أمام الصور الشخصية للمطربة، وتيقنت أننا أمام مدرسة مختلفة تمامًا: مدرسة البساطة المؤلمة، بمعنى أنها لم تكن تصنع معمارًا موسيقيًا مثل أم كلثوم بقدر ما كانت تفتح قلبها أمام الجمهور الذى كان يشعر أنه يغوص فى أعماق حياتها الحقيقية بين الانتصارات والإخفاقات.
رغم كل ما واجهته بياف، ابنة الفقر والتيهة، من خسارات شخصية، وصراعات داخلية، وانتقادات اجتماعية، لكنها استطاعت أن تتغلب على أوجاعها، وأهدت المجتمع «صوت الحياة» وصورة لامرأة قادرة على صياغة مصيرها، وتنهض من بين ألسنة النار وغبار الركام.
وفى كل مرة غنّت، بدت وكأنها تقول:
«أنا هنا رغم كل شيء.. وربما بسببه»
تأثرت كثيرًا بالتجارب العاطفية لإيديث بياف بعد مشاهدة فيلم وثائقى باللغة الفرنسية عن حياتها، ففى كل مرة كانت تلتقى حبيبا، وكانت تظن أنه المنقذ الذى سيُخرجها من ظلام طفولتها وقسوة الحياة عليها، فيأتى القدر وينقض عليها بخيبات جديدة؛ لتكتشف أن لا أحد يمكنه إنقاذها سوى نفسها. ومع كل سقوط، كانت تنهض أقوى، حاملةً آلمها كوقود لصوتها المميز، ولرحلة حياتها التى صاغت فيها القوة من المعاناة.
فعلى سبيل المثال، يكفى أن نتأمل قصتها مع الملاكم الفرنسى مارسيل سيردان، الذى تعرفت عليه خلال رحلة فنية لها فى الولايات المتحدة الأمريكية، سنة 1947، فعاشت معه قصة حب كبيرة فى العلن، بالرغم من زواجه وكتبت من أجله الأغنية الأشهر فى ريبورت فرنسا وهى ترنيمة حب، والتى غنتها سيلين ديون مؤخرا فى احتفالية افتتاح الألعاب الأولمبية فى باريس من أمام برج إيفل.
بقدر ما كان مسار حياتها العاطفى مليئا بالإخفاقات، فقد كان مسار إيديث بياف الفنى عبارة عن موزاييك من الأغاني، التى ما زالت راسخة فى عقول الجماهير، المئات من الأغانى الناجحة خلال الفترة ما بين 1933 إلى 1963، كان بعضها يحكى قصص معاناتها الحقيقية، والألم الذى كانت تعيشه فى حياتها، وأصبحت بياف مرتبطة بنشر الأغنية الفرنسية فى أرجاء العالم.
أما كوكب الشرق أم كلثوم والتى ترأست نقابة المهن الموسيقية فى مصر كأول امرأة تتولى هذا المنصب؛ إلا أن حياتها العاطفية بقيت لغزًا كبيرًا. كل ما وصلنا عنها هو انبهار الرجال بشخصيتها الفولاذية، وغرام كثير منهم بها، فيما لم تتزوج إلا مرة واحدة فى سن السادسة والخمسين من الدكتور حسن الحفناوى وبقى الرجل الأقرب إلى قلبها حتى رحيلها.
وللحديث بقية فى سطور لاحقة حول الحياة العاطفية لكوكب الشرق. وبالعودة إلى المسيرة المهنية، نستطيع أن نجزم أن مسرح الأولمبياد فى باريس كان قاسما مشتركا بين أم كلثوم وإيديث بياف التى ظهرت على خشبته لأول مرة عام 1955، وقدّمت خلال السنوات اللاحقة سلسلة من الحفلات المرموقة، كان من أشهرها حفلها المسجّل فى ديسمبر 1960، قبل أن تختتم عروضها على هذا المسرح عام 1962. وقد رسّخت بياف حضورها الفنى من خلال أداءاتٍ مؤثرة، لا سيما أغنيتها الشهيرة «لا ندم على شيء» التى لاقت صدى واسعاً لدى الجمهور.
وفى نوفمبر 1967، اعتلت أم كلثوم المنصة ذاتها لتقدّم أمسية فنية استثنائية تضمّنت أداء مجموعة من أعمالها البارزة، مثل «الأطلال» و«إنت عمري» و«فات الميعاد». وقد حظى هذا الحفل باستقبالٍ بالغ الحفاوة من الجمهور الفرنسى والعربي، مما رسّخ مكانة أم كلثوم كأحد أبرز الرموز الفنية التى أسهمت فى مدّ جسور التواصل الثقافى بين الشرق والغرب عبر صوتٍ تجاوز حدود اللغة والجغرافيا .
عزيزى القارئ:
أختم مقالى الأول عن أم كلثـوم وإيديث بيـاف بتأمل مصائر مشاهير السيدات فى مجال الفن، مثل المطربة داليدا التى انتحرت فى سن 51 عامًا، ونجمة هليوود مارلين مونرو التى قررت إنهاء حياتها فى الرابعة والثلاثين، والممثلة الفرنسية رومى شنايدر التى أرادت لنفسها الموت أيضا، ومطربة الأوبرا ماريا كالاس التى أنهكها الحزن.
كلهن نساء لمع نجمهن فى السماء، لكن الليل داخل نفوسهن كان طويلًا وثقيلاً.
هل فى قراءة حياة هؤلاء النساء ما يكشف لنا عن ذلك التناقض العميق بين وهج الضوء وبرودة العتمة؟
للحديث بقية.. وللحياة أيضا بقية..