على ما يبدو فإن «بلطجة» اليهود الحريديم قد أتت بثمارها فى النهاية، وأجبرت إسرائيل بالكامل على الخضوع لها رافعة راية الاستسلام فى مواجهة الطائفة الأرثوذكسية المتطرفة، ومع استمرار تظاهرات العنف ضد ملاحقة المتهربين من الخدمة العسكرية، ووسط الحرب السياسية الشرسة التى تقودها التيارات اليمينية ستفرض تل أبيب التجنيد على الحريديم بأيدٍ مكبلة بقانون تجنيد إجبارى ساخر قدمه عضو الكنيست عن حزب الليكود، بوعز بيزموث، رئيس لجنة الشئون الخارجية والدفاع فى الكنيست.
الأسبوع الماضي، حُشدت تظاهرات فى منطقة رامات جان وشهدت مواجهات عنيفة بين الحريديم وعناصر الشرطة الإسرائيلية التى كانت تُداهم منزل أحد المتهربين من الخدمة العسكرية، وأفادت صحيفة يديعوت أحرونوت أن تلك التظاهرة حُشدت فى دقائق معدودة بمساعدة خط ساخن مخصص للتعبئة بالمجتمع الحريدى وتديره عدة جماعات مناهضة للتجنيد العسكرى ويُطلق عليه النشطاء اسم «الرمز الأسود»، إذ تم تداول الرقم بهدوء فى الأحياء اليهودية المتشددة منذ أن بدأ الجيش الإسرائيلى بتشديد إجراءاته ضد الرجال الذين تلقوا أوامر التجنيد لكنهم لم يلتحقوا بالخدمة. وفى وسط تلك المداهمات والتظاهرات العنيفة يأتى مشروع قانون الليكود – حزب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو – بحل يُخضع إسرائيل للحريديم مجددًا، إذ إنه وفقًا لتقرير تايمز أوف إسرائيل، سيُعفى عشرات الآلاف من الحريديم من التجنيد العسكري.
بحسب المراقبين الإسرائيليين، فإن كل بند تقريبًا فى مشروع قانون التجنيد الجديد والمكون من 38 صفحة، كافٍ لإثارة غضب كل منْ يأمل فى أن يتقاسم الإسرائيليون عبء الخدمة العسكرية بالتساوي، وبعد أن قدم بيزموث، مشروع القانون الرسمى بين أعضاء اللجنة، أعلن حزبا شاس ويهودات هتوراة الموحدة عودتهما إلى التصويت مع الحكومة، فيما كانت تمتنع الأحزاب عن التصويت بسبب إصرار رئيس اللجنة السابق يولى إدلشتبن، على فرض عقوبات جنائية على المتهربين من التجنيد من الحريديم، تشمل غرامات على المعاهد الدينية غير الملتزمة، وحرمانهم من المزايا الاجتماعية، وقيودًا على سفرهم إلى الخارج وحصولهم على رخصة قيادة.
ولكن بعد تبديله بعضو الليكود بيزموث، أصبحت النتيجة هى تلاعباً مُقنناً يهدف إلى تمكين إعلان تجنيد آلاف الرجال الحريديم نحو 8160 على مدى ستة أشهر، على وجه التحديد، مما يعنى أنه سيلتحق عشرة بالمائة من هؤلاء بسلك الخدمة الوطنية «شيروت لئومي» لمساعدة العاملين فى مجالات مثل الصحة والتكنولوجيا والتعليم، ولكن أهداف مشروع القانون وحصصه المعلنة لا معنى لها إلى حد كبير، لأنه، على سبيل المثال لا الحصر، بموجب أحكامه، يمكن إطلاق لقب «الحريديم» على هذه الشريحة الواسعة من الشباب.
وبموجب مشروع القانون، يُعتبر أى شخص درس فى مدرسة دينية لمدة عامين بين سن 14 و18 عامًا من المتدينين المتشددين، حتى لو لم يعد ملتزمًا دينيًا الاندراج تحت مسمى «الحريديم» لذا، يمكن لطلاب المدارس الدينية المتشددين البقاء فى أماكنهم، تحت رحمة «الحريديم» الذين هم على الورق مؤهلون للتجنيد على أى حال، أو الذين يخدمون بالفعل فى القوات النظامية والاحتياطية للجيش الإسرائيلي، وحتى الآن، وقبل إقرار أى تشريع، يخدم ما يقرب من 3000 «رجل متشدد» فى وحدات وبرامج مختلفة؛ ولكن قلة من رجال الحريديم يخدمون فى ساحة المعركة، ومن الواضح أن هذا سيبقى قائمًا بموجب القانون الجديد، وبحسب مراقبين، فإنه عمليًا، سينتهى القانون الجديد بتجنيد بضع مئات فقط من أصل حوالى 80 ألفًا من الحريديم فى سن التجنيد– والذى ساعد فى صياغته عضو الكنيست عن حزب شاس، أرييل أتياس، نيابةً عن الأحزاب الحريدية، لنجاحه فى إفراغ أى إجراء فعلى لتجنيد الرجال الحريديم.
وما يُثير الغضب بشكل أكبر لدى الأوساط الإسرائيلية العلمانية أن المشروع يُهمش أوامر التجنيد التى أُرسلت بالفعل إلى رجال الحريديم بموجب الترتيب الحالي، بعد أن قضت المحكمة العليا فى يونيو 2024 بأن الإعفاء الفعلى للمجتمع الحريدي، الذى طال أمده، لا أساس له من الصحة، وبالتالي، ستنتهى ملاحقة الشرطة العسكرية الرمزية للمتهربين من التجنيد العسكري. وعلاوة على ذلك، سيتمكن الشباب الحريدى المُكلَف بالتجنيد من الحصول على رخص القيادة والسفر إلى الخارج، لأن العقوبات الجنائية على المتهربين من التجنيد لن تدخل حيز التنفيذ إلا فى يونيو 2027، وذلك أيضًا فى حال لم يتجاوز عدد المجندين الحريديين الفعليين 75 فى المائة من الحصة المقررة، وفى هذه الحالة، ينص القانون على إعادة النظر فى الحصة.
كما أنه وبشكل قانوني، لن يُتخذ قرار بشأن فرض عقوبات مؤسسية حقيقية على المتهربين من التجنيد الحريدي، مثل وقف الدعم المالى لمراكز الحضانة والمعاهد الدينية، إلا فى يونيو 2027، وسيقع القرار على عاتق مسئولى وزارة الدفاع ولجنة حاخامية مُعينة، والتى ستُحدد ما إذا كانت أهداف التجنيد المحدودة التى ينص عليها القانون قد تحققت.
وفقًا لمحللين إسرائيليين، يسعى نتنياهو إلى الإسراع فى إقرار مشروع القانون فى البرلمان، وعرضه خلال الأسابيع والأشهر المقبلة كإنجاز تاريخى سيُفضى إلى تجنيد آلاف الرجال الحريديم، ليصبح «أول رئيس وزراء» يقر قانونا لتجنيد اليهود المتشددين؛ إذ يأمل نتنياهو أن يُساعده إقرار قانون تجنيد ساخر كهذا إلى إرضاء الكتلة الحريدية وتجنب غضب الشعب الشارع الإسرائيلى فى آنٍ واحد. ففى وقت سابق، صرح نتنياهو، بهذا علنًا وقال إنه يريد أن يُصبح أول رئيس وزراء فى تاريخ دولة إسرائيل يُقر قانون تجنيد للحريديم، وبأنه سيسعى لتجنيد 17 ألف مقاتل خلال ثلاث سنوات– ما يُعادل فرقة ونصف الفرقة، وفى أعقاب تقديم مشروع القانون، تم إصدار بيان منسوب إلى الدائرة المقربة من رئيس الوزراء جاء فيه: «قانون التجنيد المُقدم اليوم - وهو أمر لم يُطبّق منذ تأسيس الدولة - سيؤدى إلى تجنيد 23 ألف رجل من الحريديم فى غضون ثلاث سنوات ونصف السنة، وأضاف البيان أن هذا العدد الإجمالى يُعادل أربعة أضعاف متوسط تجنيد الحريديم حتى الآن والأهداف التي حددها وزير الدفاع السابق بيني غانتس وأفيجدور ليبرمان، وكلاهما حاليًا في المعارضة، في مشروع قانون سابق، يتضمن مشروع القانون الجديد، وفقًا للبيان، «عقوبات وقيودًا صارمة» ردًا على عدم استيفاء حصص التجنيد. وفى تعليقه على القانون، انتقد مستشار الأمن القومى السابق، تساحى هنغبي، بشدة مشروع القانون محذرًا من أن هذا القانون «يُمكن الحريديم من التهرب» ويهدد مستقبل إسرائيل.