خلال السنوات الماضية تحولت الأكاديميات إلى بزنس جاهز ومضمون، اشتراكات شهرية، أطقم تدريب، دورات موسمية، معسكرات، تصوير مباريات، وتقييمات «شكلية»، الفكرة الأساسية تحولت من صناعة لاعب إلى جذب أكبر عدد من المشتركين.
طارق يحيى، مدرب الزمالك السابق، يرى أن «معظم الأكاديميات الخاصة لو خرجت لاعب واحد كل خمس سنوات مش هتفرق، لكن الفكر السائد لديهم هو أن يكون متواجد 500 مشترك كل موسم».
«يحيى» أضاف: الأكاديميات تحول الحلم إلى منتج تجارى، حتى أصبحت كرة القدم سلعة لا منظومة تطوير، وتبدو الأكاديميات فى مصر وكأنها منشآت رياضية تحمل نفس الشعار«نصنع جيل المستقبل»، لكن خلف هذا الشعار اللامع يوجد واقع مختلف تماما، لأن معظمها لا تملك أصلا مشروعا فنيا لصناعة لاعب كرة قدم، بل مشروع تجارى صريح يقوم على جذب أكبر عدد من المشتركين، وليس تخريج لاعبين محترفين، والنتيجة أجيال كاملة تتربى على فكرة «بطل من ورق»، طفل يرتدى زيًا جميلا ويلتقط صورا احترافية، لكنه لا يعرف الفارق بين التمركز الصحيح والتمرير تحت ضغط.
كما أوضح مدرب الزمالك السابق، أن «هناك فلسفة غائبة، التدريب ليس مجرد وقت داخل الملعب فحسب، الأكاديمية الحقيقية تبدأ بمنهج تدريبى مكتوب ومدروس، يشمل أسلوب اللعب بناء اللاعب بدنيا، وكيف يكتسب مهارات التكنيك داخل المستطيل الأخضر، تقييم دورى وفق معايير رقمية، بينما فى مصر، تختلف الصورة تماما، لا توجد فلسفة لعب واضحة، كل مدرب يستخدم ما يعرفه، بغض النظر عن استراتيجيات الأكاديمية، لا توجد وحدة أسلوب بين الفرق، ففريق 2008 يلعب بأسلوب، وفريق 2010 بأسلوب آخر، وكأنهم فى عالمين مختلفين».
وتابع: معظم مدربى الأكاديميات يفعلون ما يحلو لهم، وكل مدرب منهم يطبق ما تعلمه قبل ذلك، وهذا ليس كافيا لأن الأمر يتطلب دراسة عن كيفية بناء اللاعب الناشئ، حتى أصبحت النتيجة لاعبا بلا هوية، اللاعب يخرج من الأكاديمية بلا بصمة فنية، وعندما يخوض تجربة حقيقية فى دورى القطاعات يكتشف أنه لا يجيد اللعب تحت ضغط ولا يقرأ المباراة ولا يمتلك مرونة تكتيكية، ولا يعرف أين يقف أو كيف يتمركز.
وقال معتمد جمال، مدرب الزمالك السابق: ما نعانى منه ليس أزمة موهبة، بل أزمة منهج مفقود، المدرب الحلقة الأضعف، فى كثير من الأكاديميات المدرب لا يحمل شهادة تدريب معتمدة، أو يحمل شهادة منخفضة المستوى، ولم يخضع لدورات علمية حديثة لأنه يعمل بنظام الساعة ويتقاضى أجرا ضعيفا لا يسمح له بالتطور، فكيف يصنع لاعبا وهو نفسه لم يصنع كمدرب، وبالحديث عن مدربى الأكاديميات هناك عيوب كبيرة منها غياب الاستقرار الفنى لأى أكاديمية لأن المدرب يبدل الأكاديمية كل موسم، وربما كل 3 أشهر، ومعه تتغير أساليب التدريب فجأة، اللاعب نفسه يعمل مع 3 أو 4 مدربين خلال سنة واحدة، وكل منهم يغير ما قبله، والنتيجة لا يوجد خط تطوير ثابت، بل مجموعة من المحاولات المتناقضة، لأن التدريب الاستهلاكى لا يصنع لاعبا، ساعة تدريب والباقى صور.
وأضاف: أحد أبرز عيوب الأكاديميات فى مصر أنها تعتمد على حصص قصيرة، وعدد كبير من المتدربين، ومساحات غير مناسبة، هذا فضلا عن التركيز الكبير على الشكل الخارجى «اليونيفورم، التصوير، المباريات الودية الاستعراضية»، فى حين أن اللاعب يحتاج إلى عدد ساعات أعلى وتدريبات فردية على المهارة وتدريبات تكتيكية وتحليل فيديو وكذلك مراقبة تطور بدنى ونفسى، لكن الأكاديمية تهتم بـ«المظهر» وليس «الجوهر»، ويعتمدون أيضا على تمرينات بلا هدف، وغالبا ما تكون التمرينات عبارة عن جرى حول الملعب وتمارين لياقة عشوائية، وتقسيمة بلا توجيه.
«جمال» أضاف: هناك أيضا تدريبات فردية لا تتماشى مع المنهج الرياضى الحديث، وغياب نظام التقييم «اللاعب ينجح لأنه دافع الاشتراك»، وهناك أمر مهم يتمثل فى أن أخطر ما يحدث داخل تلك الأكاديميات الرياضية أن اللاعب لا يستبعد مهما كان مستواه طالما يدفع الاشتراك، وهذه فلسفة تجارية بحتة، والأكثر خطورة أنه لا يوجد تقييم شهرى أو ربع سنوى، ولا توجد تقارير مكتوبة ولا خطط فردية، ولا يتم إبلاغ الأسرة بالعيوب الفنية بوضوح، فى حين أنه فى الأكاديميات الأوروبية يتم تقييم الطفل من سن 7 سنوات حتى الاحتراف، وكل تقرير يحتوى على «السرعة، التحمل، الذكاء التكتيكى، الحالة النفسية، والالتزام».
وأكمل: أسوأ ما ابتدعته الأكاديميات فى السوق المصرى «البطولات التجارية» تحت مسميات غريبة مثل، بطولة «الأمل»، دورى «المستقبل»، كأس «البراعم الذهبية» معظمها غير معترف به رسميًا والهدف منها الترويج على السوشيال ميديا، ويخرج فيديو لطفل يسجل هدفا، فتنتشر اللقطات ثم يظن الأهل أن هذا هو الطريق للاحتراف، بينما فى الواقع، هذه المباريات لا تكشف المستوى الحقيقى لأنها بلا رؤية واضحة ولا حكام محترفين ولا ضغط تنافسى، ولا فرق مرتبة وفق معيار فنى.
وأوضح أن «جزءا كبيرا من الأكاديميات يديره مدربون يعملون أو عملوا فى أندية الدورى أو قطاعات الناشئين، وهذا يخلق شبكة مصالح خطيرة، لا سيما أن اللاعب ينضم من أجل المشاركة فى اختبارات نادٍ معين، لأن المدرب يعد لاعبين بترشيحات وهمية، أو يقنع الأسرة بالاستمرار فى الأكاديمية لأنها “قريبة جدا من التوقيع”، وبمجرد بدء هذا المنطق، ينتهى المشروع الفنى، لأن هناك غياب الرابط بين الأكاديمية والنادى، الأكاديمية الحقيقية يجب أن تكون مرتبطة بنظام اكتشاف، ورؤية فنية، ومدير فنى موحد، وتقارير ترسل للنادى، ومسار واضح للاعب، لكن فى مصر، 90 فى المائة من الأكاديميات تعمل بلا رابط حقيقى مع أى نادٍ، وإذا حدث الترشيح فهو غالبا عشوائى وموسمى وليس نتيجة منظومة علمية.
«جمال»، لفت إلى أنه «بعد 5 سنوات لعبًا فى الأكاديمية، يخرج لنا لاعب لديه فيديوهات جميلة لكنه عاجز عن مواجهة لاعب محترف، لاعب يعرف الاحتفال بالأهداف ولا يعرف كيفية صنع الهجمة، هذا هو اللاعب الذى تفرزه الأكاديميات التجارية، لاعب جميل من الخارج فارغ من الداخل لأن صناعة لاعب كرة قدم ليست درسا خصوصيا ولا رحلة ترفيهية، بل هى عملية علمية تحتاج إلى منهج، وبرامج تطوير وتقييم ورؤية وربط مستمر مع منظومة احترافية، وما لم يتحقق ذلك فستظل الأكاديميات مجرد مشروعات تجارية ناجحة، لكنها مصانع فاشلة لصناعة النجوم.
ما سبب عدم وصول اللاعبين إلى الفريق الأول؟
قال هشام حنفى، لاعب الأهلى السابق: إن الأندية الكبرى وعلى رأسها الأهلى والزمالك تلعب تحت ضغط جماهيرى وموسمى هائل، المدرب يريد الفوز الآن لا بعد سنتين، ولذلك يفضل اللاعب الجاهز على الشاب، والمدرب يقيم بنتيجة المباراة مش بعدد اللاعبين الذين تم تصعيدهم، والآن الكرة المصرية تعيش فترة غياب السلم الطبيعى للترقى، على سبيل المثال الدوريات الأوروبية تملك سلما طبيعيا لترقى اللاعبين وشكله كالتالى (ناشئين ثم شباب) وبعدها يرتقى إلى الفريق «الرديف» ثم إعارة، نهاية بالفريق أول، وفى المنظومة الكروية بمصر هذا السلم مكسور، ولا توجد مسابقة رديف قوية، والإعارات غالبا بلا متابعة، ولا توجد برامج جسدية ونفسية خاصة بمرحلة الانتقال من الناشئين للفريق الأول.