يروى «محمد» أن يومه يبدأ مع صلاة الفجر، حيث يحفظ ويراجع ما تيسر من كتاب الله، ثم يلتحق فى الثامنة صباحًا بالكُتّاب لتلاوة الجزء الجديد. ويؤكد أن هذه العادة اليومية غرست بداخله حب الانضباط، وربطت يومه بالقرآن.
تعلّق قلب «محمد» بالقرآن منذ طفولته؛ ففى السادسة من عمره كان يستمع كثيرًا لتلاوات كبار القراء، فتولّد بداخله شغف كبير، جعله أكثر حرصًا على أن يسير على دربهم ويقتدى بهم فى الأداء والخشوع.
ويستعيد ذكريات طفولته قائلًا: «إنه فى الثامنة من عمره كان يقضى ساعات طويلة يستمع إلى تسجيلات كبار المقرئين، حتى تعلق قلبه بأصواتهم؛ فكان يجد فى تلاوة الشيخ محمد صديق المنشاوى روحًا مهيبة، ويستلهم من الشيخ محمود على البنا عذوبة الأداء، ويتأمل فى طبقات صوت الشيخ مصطفى إسماعيل، ويقتدى بإتقان الشيخ محمود خليل الحصري، حتى تشكّلت لديه بصمته الخاصة فى التلاوة».
عن تجربته مع القرآن يقول إن «جمال تلاوة القرآن هو النور الذى يملأ قلبي، فأشعر وكأننى أعيش مع كل آية عالمًا من السكينة والطمأنينة.. كلما أرتل الحروف وأتبع قواعد التجويد، أشعر بأن أصوات الكلمات تتحد مع مشاعرى، فتخلق لحظة روحانية لا تُنسى، لحظة تتجاوز المكان والزمان. القرآن بالنسبة لى ليس مجرد كلمات مكتوبة، بل موسيقى سماوية تلامس الروح، وتمنحنى شعورًا بالسلام الداخلى والانشراح النفسي. كلما حفظت جزءًا جديدًا أو استمعت لتلاوة أحد القراء العظام، كأن قلبى يكتشف جمالًا جديدًا، ويزداد شغفى للإبحار فى بحور هذا الكتاب العظيم».
من هنا يظهر بوضوح كيف أصبح القرآن رفيقًا يوميًا فى حياة «محمد»، يغرس فيه الانضباط والصبر، ويشكل مصدرًا دائمًا للراحة النفسية والطمأنينة، بحيث إن كل يوم يبدأ بعد صلاة الفجر بحفظ ومراجعة القرآن، ويتابع حصصه فى الكُتاب، ويعيش مع كل آية درسًا جديدًا فى الصبر والمثابرة.
ويشير «محمد» إلى أن أصعب سورة بالنسبة له هى سورة النساء لما تحوى من أحكام دقيقة وكلمات تحتاج إلى تدقيق شديد فى مخارج الحروف وأحكام التجويد وكيف تصل من خلال الصوت بمعانى الآيات، فما يخرج من القلب يصل للقب، ويعتبر صعوبة السورة تحديًا يزيده عزيمة وإصرارًا على الإتقان. ويضيف: «التحديات فى التلاوة ليست مجرد صعوبة الحروف أو الآيات، بل هى فرصة لتقوية الصبر والانضباط، وكل مرة أتغلب فيها على جزء صعب أشعر بأننى اقتربت أكثر من جوهر القرآن وروحه».
وعلى الجانب الآخر، يجد محمد متعة خاصة فى سور مثل سورة النور، لاسيما آية قوله تعالي: «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّى يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»، فهى التى تلامس قلبه ويشعر أن هناك طاقة من النور أثناء التلاوة، كذلك الآيات الذى تذكر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى «مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ». فتتحول لحظة التلاوة إلى تجربة روحية كاملة تعكس حب القرآن وشغفه العميق به، وتجعل كل قراءة بمثابة رحلة داخلية يتعلم منها الصبر والتفكر ويزداد تعلقه بالكتاب العظيم.
لم يكن الطريق مجرد حفظٍ وتجويد، بل مواقف شكلت شخصيته وثبّتت صوته. ففى أحد الأيام، حين تأخر الإمام عن الصلاة فى قريته، أصر الأهالى على أن يؤمّهم محمد رغم صغر سنه.. كانت تلك أول مرة يتلو فيها القرآن أمام جمعٍ من الناس، ورغم رهبة الموقف نجح فى قيادة الصلاة بثبات، لتتوالى بعد ذلك الدعوات إلى المناسبات والاحتفالات.. يصف «محمد» أقرب هذه اللحظات إلى قلبه بأنها حفلة ختم القرآن الكريم مؤخرًا التى شهدت حضور الدكتور أبو اليزيد سلامة، مدير عام شئون القرآن الكريم بقطاع المعاهد، والشيخ خالد على عضو الإدارة العامة لشؤون تعليم القرآن، حيث شعر هناك أن ثمرة سنوات من الجهد والمواظبة قد تفتحت أمام أعين الجميع، مانحةً إياه يقينًا بأن طريق القرآن هو رسالته التى سيحملها طوال حياته.
وبالفعل أهله ذلك لحضوره دورة تدريبية لتحضير الطلاب لترتيل المصحف الشريف، ثم شارك فى مشروع «المصحف المرتل لطلاب الأزهر الشريف»، تحت إشراف الإدارة العام لشئون القرآن الكريم، ويندرج تحت مظلة «دولة التلاوة المصرية» لضمان استمرارها عبر الأجيال.
إلى جانب حبه العميق للقرآن وتفانيه فى حفظه، يحمل «محمد» طموحات علمية كبيرة، إذ يسعى لأن يكون أستاذ دكتور فى كلية الدعوة الإسلامية، ليشارك معارفه وخبراته مع الأجيال القادمة ويصبح مرجعًا فى المجال الدينى.. أما على صعيد التلاوة، فإن حلمه يمتد ليشمل استكمال مسيرة القراء العظام، وأن يصبح واحدًا من قراء الإذاعة المصرية، ليصل صوته إلى كل بيت مصري، ويشارك الجمهور نفس الشعور الروحى العميق الذى يعيشه أثناء تلاوته.