عودة الاحتفال بعيد النصر على العدوان الثلاثى فى 23 ديسمبر مطلب لكل الحاضرين فى مواجهة تلك الهجمة على التاريخ الوطنى، ومنع عودة تمثال «ديليسبس» الذى أسقطه شعب بورسعيد الباسل فى اليوم التالى لخروج قوات العدوان الثلاثى من مصر.
طاف المشاركون بأحداث العدوان الثلاثى بعد أن استطاع فيلم «أوتار مصرية» للمخرج عمرو عبد الغنى، الذى عُرض فى بداية الندوة، أن يصطحب الحاضرين معه إلى تاريخ المقاومة فى مدن القنال الثلاث: بورسعيد والإسماعيلية والسويس، من خلال أغانى السمسمية.
دور عظيم تقوم به الجمعية المصرية للدراسات التاريخية التى يترأسها د. أحمد الشربينى أستاذ التاريخ المعاصر ورئيس اتحاد المحامين العرب، ود. خلف الميرى أمين عام الجمعية، اللذان صالا وجالا بأحداث العدوان الثلاثى، وأكدا أن الصراع على مصر تاريخيًا هو على المكان، وقلبه قناة السويس.
أما د. أحمد الصاوى أستاذ التاريخ الإسلامى والمفكر القومى فتناول ما يحدث فى المنطقة الآن، معتبرًا أن إعادة تقسيمها امتداد تاريخى لفلسفة أوروبا لما بعد الحروب الصليبية، وأن التقسيم ثم إعادة تقسيم المقسَّم تنفيذ لخطط موضوع منذ سايكس بيكو، وأن التقسيم فى البلدان المحيطة بمصر يهدف إلى تركيعها.
وكانت لحماسة آمال عسران، الباحثة المتخصصة فى تاريخ المقاومة، إضافة كبيرة للندوة، وهى تحكى قصة والدها سيد عسران أحد أبطال المقاومة فى بورسعيد، والتى طواها النسيان المتعمد مع قصص بطولات كثيرة، منها إسقاط تمثال ديليسبس رمز الاستعمار. هى جزء من تاريخ مصر المقاوم للاستعمار، والذى شكّل الهوية المصرية، بينما من يدافعون عن عودة تمثال ديليسبس إلى بورسعيد يحاولون إلباسه التاريخ زورًا وبهتانًا.
ويكمل الباحث فى التاريخ، الكاتب الصحفى محمد الشافعى، الذى عمل بجد لتوثيق قصص المقاومة، وتصدّى بكتاباته لمحاولة إعادة تمثال ديليسبس المشبوهة، والتى فضح فيها ديليسبس وما اقترفه من آثام ضد مصر وشعبها وخيراتها فى كتابه «ديليسبس الأسطورة الكاذبة»، والذى كان وراء استخدام العمالة المصرية بنظام السخرة الذى أدى إلى استشهاد الآلاف.
وتحدث عن أولئك الذين يقولون عن العدوان الثلاثى إن مصر انتصرت سياسيًا ولكنها هُزمت عسكريًا، ووصفهم بالمتنطعين، وقال: «الانتصار هو فرض الإرادة، ومصر فرضت إرادتها على قناة السويس واحتفظت بها، ولم تسمح للعدوان الثلاثى أن يسرقها».
وأشار إلى توزيع السلاح على أهالى بورسعيد ومدن القنال، مؤكدًا أنه لم تقع حادثة بلطجة أو نهب، وبعد انقضاء العدوان ورحيل القوات المعتدية سلّم الشعب سلاحه طواعية. وقال: «هى ملحمة قائد (عبدالناصر) وثق فى شعبه، وشعب وثق وأحب قائده».
تناول المؤرخون قصة الصراع على قناة السويس، وقال الدكتور أحمد الشربينى إن الفكرة الحديثة لشق القناة بدأت خلال الحملة الفرنسية على مصر، لكن المشروع تعثر ولم يكتمل. وحاولوا مرة أخرى مع محمد على، وأشار الدكتور الشربينى إلى الصراع الأنجلو-فرنسى على مصر، وقال إن الفرنسيين أرادوا إنشاء القناة، والبريطانيين أرادوا إنشاء السكك الحديدية، ولكن تشكك محمد على فى نواياهم وشعر أنها نقلة كبيرة، ومن ثم رفض. وعندما جاء عصر سعيد باشا، جاء ديليسبس وأقنعه بالفكرة، وحصل على امتياز القناة، وتحولت من فكرة إلى حقيقة، وارتبط ذلك بنجاح إنجلترا فى إنشاء السكك الحديدية فى مصر (القاهرة – الإسكندرية، ثم القاهرة – السويس).
د. خلف الميرى شارك د. درويش فى سرد وقائع الصراع الأنجلو-فرنسى على قناة السويس، وأضاف أن بريطانيا قامت باحتلال مصر عام 1882 لفرض سيطرتها على قناة السويس خشية أن تحتلها فرنسا التى احتلت تونس عام 1881، وأصبحت مستعمرة للجزائر والمغرب وتونس، وهى مهيمنة على غالبية أسهم قناة السويس.
وفى عام 1888 وُقعت اتفاقية القسطنطينية لتنظيم الملاحة فى قناة السويس بين بريطانيا من جهة وفرنسا من جهة أخرى، ومعهما ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والنمسا وروسيا والدولة العثمانية والمجر وهولندا، بالإضافة إلى مندوب ملك مصر الخديوي. تلك الاتفاقية أكدت أن قناة السويس مصرية، وشكلت حلًا وسطًا بين فرنسا وبريطانيا لضمان حرية الملاحة فى القناة فى جميع الظروف، فى السلم والحرب. ولم تُنفذ الاتفاقية إلا فى عام 1904 بعد اتفاق ودى بين فرنسا وبريطانيا.
وبدأ الحوار الأنجلو-أمريكى بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تبدلت المواقع بين حلفاء الأمس الذين أصبحوا أعداء، وبدأت الحرب الباردة، حيث عملت بريطانيا وأمريكا على أن تحول بين الاتحاد السوفيتى ودول الشرق وبين الوصول إلى ثروات العالم العربى ومنطقة الشرق الأوسط، والنفط الذى بدأ ظهوره فى المنطقة.
بدأ النفوذ الأمريكى يقوى فى النظام العالمى ليحل محل القوى الأوروبية الاستعمارية، وقامت ثورة يوليو 1952 فى مصر، وسعت مصر للاستقلال وتوقيع اتفاقية الجلاء، وأعلنت رفضها للأحلاف العسكرية، خاصة حلف بغداد الذى سعت لإنشائه أمريكا دون المشاركة فيه، بهدف مواجهة المد السوفيتى فى المنطقة.
لم يكتفِ ناصر برفض الأحلاف، بل قام فى نفس العام 1955 بإنشاء مجموعة عدم الانحياز فى مؤتمر باندونج مع رئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو، ورئيس يوغسلافيا جوزيف تيتو. وفى يوليو 1956 كانت الضربة الكبرى: إعلان عبد الناصر تأميم قناة السويس، بعد سحب الأمريكيين عرضهم لتمويل السد العالى، فكان العدوان الثلاثى من إنجلترا وفرنسا وإسرائيل الذى استطاعت مصر دحره.
الفكرة التى حكمت التصور البريطانى الفرنسى كانت السيطرة على القناة وتدويل شركتها مع الأمريكيين.
وأشار د. خلف الميرى إلى الموقف الأمريكى تجاه جمال عبد الناصر ومحاولة تحجيمه، خاصة مع رفضه للانضمام إلى حلف بغداد ولسياسة الأحلاف قاطبة. وقامت أمريكا بتسليح إسرائيل كما وكيفًا، وأن وقوف الولايات المتحدة ضد العدوان الثلاثى كان بسبب إخفاء الدول الثلاث خطتهم وقرارهم عنها.
وأن إنذار الاتحاد السوفيتى القوى، ومن بعده الولايات المتحدة الأمريكية، والمقاومة الشعبية المبهرة لأهالى مدينة بورسعيد، ونشر صور فظائع الجيوش المعتدية ضد المدنيين فى الإعلام الغربى، ووقوف العالم فى معظمه ضد ما حدث، أدى إلى انسحاب القوات المعتدية.
حول عبقرية المكان الذى تتمتع به مصر والتى رصدها العالم الجليل الراحل د. جمال حمدان فى كتابه الشهير، قال الدكتور أحمد الصاوى إنها كانت ولا تزال سببًا فى محاولات السيطرة على مصر، وأن مشروع تهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء هو جزء من مشروع قناة بن جوريون التى تسعى إسرائيل وأمريكا، وبدعم من الدول الغربية، إلى إنشائها كقناة بديلة لقناة السويس من إيلات على البحر الأحمر إلى البحر الأبيض فى غزة، مما يستلزم الاستيلاء على غزة.
وأشار إلى تقسيم الدول المحيطة بمصر: ليبيا والسودان وفلسطين. وتحدث عن ما أطلق عليه «الاعتقاد الخاص» الذى قوامه الإخوان والسلفيون واعتبرهم مهددًا للوحدة الوطنية فى مصر.
احتلت فكرة تغييب الوعى المصرى وتغيير الذاكرة التاريخية بتجاهل قصص المقاومة ومحاولة طمسها جزءًا كبيرًا من كلام المشاركين فى الندوة، كما أشارت آمال عسران إلى قصة والدها البطل سيد عسران، الذى قتل قائد المخابرات البريطانية فى بورسعيد إبان العدوان الثلاثى، الميجور وليامز، وكان عمره يومئذ 17 عامًا، حيث ألقى عليه وهو فى سيارته قنبلة أخفاها فى رغيف خبز.
إعادة تمثال ديليسبس مؤامرة على الذاكرة الوطنية ومحاولة تغييبها وتغييرها، وإهدار لدم الشهداء والفدائيين وشعب بورسعيد الذين أسقطوا التمثال الذى وضع فى يديه جنود الاحتلال علمى إنجلترا وفرنسا فى إيحاء لعودتهم. هذا ما أجمع عليه جل الحضور.
سبع ليالٍ وصبحية.. إحدى أغانى السمسمية التى يحافظ بها شعب مدن القنال على ذاكرته الوطنية.