لم يكن صباح يوم الرابع من نوفمبر كغيره من الأيام، إنه يوم لم ترَ أرض مصر مثيلا له من قبل، كان أشبه بلحظات معجزة الميلاد، فريد وجميل وغير اعتيادى، والأيام التى تلته كانت الامتحان الحقيقى الذى كشف عن ماهية المكان، وأكدت بالدليل أنه لم يكن مجرد مبنى يضم آثار مصر القديمة، بل مسرح تتلاقى فيه الأمم، وتحتشد بين جنباته المشاعر الفياضة، حيث تتداعى الذاكرة الإنسانية لتسجل فصلا جديدا من كتاب الحضارة.
ما حدث كان غير متوقع على الإطلاق، عندما غمرت المتحف المصرى الكبير سيول متدفقة من البشر الملهمين المأخوذين بجماله، تتدفق كالجحافل وكأنها تشق طريقها نحو الزمن الأول البعيد، زمن ملوك مصر القديمة، مشدوهين إلى مقتنياتهم الذهبية والحجرية والخشبية وأقنعتهم ذات الوجوه الملكية.
لقطات أذهلت العالم ولم يجد لها تفسيرا، داخل البهو العظيم ذى السقف الشاهق الارتفاع، تتعالى أصوات الأطفال وضحكاتهم، يلهون ويركضون ويلهثون هنا وهناك، وأمام تمثال الملك رمسيس الثانى يهدؤون قليلا كى يلتقط آباؤهم صورًا تذكارية لهم، يحملونها معهم إلى مدرستهم كى يتباهوا بها أمام أقرانهم داخل فصولهم، حتما ستكون قصة يحكونها ضمن موضوع الإنشاء فى امتحان اللغة العربية آخر العام الدراسى، ولمَ لا؟ وهم يرون تلك الابتسامة الخفية على وجه الملك المعظم التى يستقبلهم بها، تبدو عليه ملامح السعادة بعد عودة أبنائه وأحفاده وكل مَن جاء من أقاصى الدنيا ليبحث عن معنى الحضارة الإنسانية.
«انتى عارفة.. مصر أم الدنيا».. هكذا تحدثت سيدة مصرية قادمة من ريف مصر لإحدى السائحات، وهى تقف أمام كنوز الملك توت عنخ آمون، كلماتها عبرت عن حالة الفخر والاعتزاز الذى يعترى كل مَن دخل القاعة الملكية المهيبة.
هناك عبر دهاليز الدهشة، تتباطأ الخطوات، الكل يراقب بأعين متسعة تبدو عليها علامات الاحترام والتقدير، تمتزج فيها كل ملامح الوجوه وكأنها وجه بشرى واحد، وجه الملك الصغير البادى على قناعه الذهبى، الكل يقف أمامه مشدوها، يتساءلون: كيف أبدعوا هذا الجمال؟ وكيف عاشوا تلك العظمة منذ آلاف السنين؟، فلم يعد السؤال يدور حول كم عدد القطع الأثرية المعروضة داخل قاعات المتحف وما هى أشهرها، أو كم بلغت تكلفة بنائه وحفل افتتاحه؟، تبدلت التساؤلات لتصبح فلسفية فى عقول الزائرين، هل عادت الروح الهائمة كى يتم بعثها من جديد؟ هل نجح المصريون فى بلوغ الخلود المنشود؟ هل ما نراه هو قراءة جديدة لتاريخ مصر القديمة؟
ربما ضاق المكان بالزائرين، وتعبت الأعين من كثرة النظر والإمعان، لكن القلوب ستظل مليئة بالمشاعر، وترتوى الروح بالجمال دون أن تشبع، كأن الزمن فتح نافذة استثنائية ينادى بها على العالم، قائلا: «من هنا كانت البداية.. ومن هنا نكتب فصول الحكاية»، بدا ذلك جليًا وسط القاعات الممتدة، حيث تختلط اللغات البشرية بالعامية المصرية القديمة، وتتزاحم الأعين أمام الفاترينات كى تقرأ المكتوب عليها، تلك سيدة تحاول أن تتهجى اسم الملوك بصعوبة، وأخرى تتغنى بروعة ما تراه، وهناك، تتسابق عائلة قادمة من الصعيد فى رحلة جماعية لتشاهد كنوز الأجداد، وكأنهم يخلقون زخمًا إنسانيًّا يتحدث لغة واحدة يقرأون بها عظمة تاريخ المكان، يتحدث بها الفنانون والباحثون والزائرون والسائحون والملهوفون والحاضرون والقادمون من بلاد بعيدة، دون الحاجة لعلماء آثار لقراءتها.
حالة الزحام لم تكن صخبًا يعجّ بها المتحف المصرى الكبير، لكنها كانت أشبه بحالة روحية تترسخ فى النفوس، ملامح الزائرين تتجاوز الصخب لتصبح تأملا فلسفيا، هناك نرى سائحا يلتقط أنفاسه أمام تمثال الملكة حتشبسوت وهى راكعة خاشعة، لم يعبأ بالأطفال الذين يحاولون لمس جدارية حجرية برفق كأنهم يتحسسون تاريخها بأناملهم الصغيرة، وتلك سيدة مصرية ترتدى جلبابها الأسود تنزل على خدها دمعة حينما ترى قناع توت عنخ آمون من قريب، وكأن الذهب يتحدث إليها وحدها، الجميع هنا يجتمعون على حب غير معلن لجذور الأرض التى احتضنت الجميع.
يقولون إن المتاحف أماكن للصمت والتأمل، لكن المتحف المصرى الكبير أعاد تعريف القاعدة، هنا، الضجيج ليس فوضى، إنما صوت موسيقى الحياة حينما تلتقى بالحضارة القديمة، حفيف الخطوات، همسات الكبار، انبهار الصغار، وعدسات التصوير، كلها تجتمع كأوركسترا فريدة تعزف لحن العودة إلى الجذور، هؤلاء ليسوا مجرد زائرين ملأوا القاعات بل هم شهود معجزة الميلاد، وكل خطوة بينهم كانت تقول: «هنا، حضارة لا تزال حية تمنح الكون الضياء».
«بشكل غير مسبوق».. هكذا وصفت إدارة المتحف المصرى الكبير حالة الزحام بالحلم والرغبة والفضول التى بلغت ذروتها فى نهاية الأسبوع، الكل جاء فى يوم عطلته متفرغًا، ما دفع إدارة المتحف إلى أن تقوم بإصدار بيان رسمى يوم الجمعة بأن الطاقة الاستيعابية للمتحف تجاوزت السعة القصوى وقد فاضت عن حدودها، وأن المتحف استقبل عشرات الآلاف من الزائرين الذين تدفقوا كأمواج متتالية دون توقف، حتى بدا وكأن هضبة الجيزة قد استعادت أيام المعابد القديمة فى أعيادها الكبرى.