تواصل سلطنة عُمان ترسيخ مكانتها بوصفها وجهة استثمارية واعدة في المنطقة، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط بين أسواق آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط، ومن بيئتها الاقتصادية المستقرة، وتشريعاتها الحديثة التي تعزّز ثقة المستثمرين، وقد أسهمت «رؤية عُمان 2040» في رسم ملامح مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي، وتفعيل منظومة الاستثمار المحلي والأجنبي وفق مبادئ التنويع والاستدامة.
وشهدت سلطنةُ عُمان خلال السنوات الأخيرة تحولات تشريعيّة وتنظيميّة جوهريّة، كان أبرزها صدور قانون استثمار رأس المال الأجنبي المرسوم السُّلطاني رقم (50 /2019) الذي أتاح التملك الأجنبي الكامل بنسبة 100 بالمائة في معظم القطاعات، إلى جانب إقرار قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص وقانون التخصيص، بما يدعم إشراك القطاع الخاص في المشروعات الوطنية الكبرى.وقد انعكست هذه الإصلاحات إيجابًا على تصنيف سلطنة عُمان في مؤشر سهولة ممارسة أنشطة الأعمال، إذ تقدمت عشر مراتب لتصبح في المرتبة الـ68 عالميًّا.
ثمة عدة أدوات أسهمت في تعزيز الجاذبية الاستثمارية في سلطنة عُمان، أولاً: توفير بيئة تشريعيّة جاذبة للاستثمار الأجنبي من خلال إصدار قانون الاستثمار الأجنبي وقانون المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، حيث عزز هذان القانونان التسهيلات الممنوحة والتشريعات القانونية التي تجذب وتحمي الاستثمارات الأجنبية، إضافة إلى إنشاء المزيد من المناطق الاقتصادية وخاصة المنطقة الاقتصادية الخاصة في محافظة الظاهرة لجذب الاستثمارات السعودية، والمنطقة الاقتصادية الخاصة في الروضة لجذب المزيد من الاستثمارات الإماراتية، وستعمل المنطقتان على استغلال الموقع الجغرافي لسلطنة عُمان مع الدول المجاورة لتعزيز الاستثمار والتجارة البينية بينهما.
ثاني الأدوات: تركيز سلطنة عُمان على جذب الاستثمارات الأجنبية في القطاعات التي تتمتع بميزات تنافسية كقطاعات النفط والغاز، والهيدروجين الأخضر، واللوجستيات، والصناعة التحويلية، ما يعزز الاستثمارات الأجنبية وإيجاد قيمة مضافة لهذه الاستثمارات وترابطها مع القطاعات الاقتصادية الأخرى والشركات العُمانية إذ بلغت الاستثمارات المخططة في قطاع الهيدروجين الأخضر قرابة 14.6 مليار ريال عُماني (38 مليار دولار أمريكي) التي إن رأت النور ستحقق قفزة نوعية وتنموية للاقتصاد العُماني من حيث تنوع هياكله وترابط وحداته المختلفة.
ثالث الأدوات: القطاع الخاص العُماني شريك أساسي في التنمية من خلال دوره في جذب الاستثمارات وإقامة شراكات استراتيجية تسهم في توفير فرص عمل وتطوير الصناعات المحلية، بفضل الدعم الكبير من الحكومة في تمكين رواد الأعمال وتسهيل الإجراءات، بما ينسجم مع مُستهدفات «رؤية عُمان 2040»، وقد أسهمت المناطق الحرة والاقتصادية في فتح آفاق واسعة أمام المستثمرين، بفضل ما توفره من بنية أساسية حديثة وموقع استراتيجي يربط الشرق بالغرب.
رابع الأدوات وأنشطها: تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية، وتعزيز جهود ودور كل من: جهاز الاستثمار العُماني ووزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، من أجل جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وإيجاد الشراكات الاقتصادية، وتنفيذ المبادرات ومذكرات التفاهم والبرامج التي توقعها الوزارة مع الجهات العربية والدولية لتحقيق الغايات العليا للدبلوماسية الاقتصادية.
وفي هذا السياق تأتي أهمية افتتاح أعمال البرنامج التدريبي للملاحق التجاريين العُمانيين في مصر، بحضور الوزير المفوض خليفة بن راشد الشامسي، نائب رئيس البعثة بسفارة سلطنة عُمان بالقاهرة ، والوزير المفوض التجاري د. عبد العزيز الشريف وكيل أول الوزارة رئيس التمثيل التجاري المصري، وذلك في إطار تنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة بين التمثيل التجاري المصري ووزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار العُمانية في فبراير الماضي.
يهدف البرنامج إلى تعزيز التعاون المؤسسي وتبادل الخبرات الفنية بين الجانبين في مجالات ترويج الاستثمار وتنمية الصادرات وتطوير منظومة التمثيل التجاري الخارجي، إلى جانب بناء القدرات المؤسسية والدبلوماسية الاقتصادية، بما يسهم في دعم العلاقات الاقتصادية المصرية–العُمانية وفتح آفاق جديدة للتعاون التجاري والاستثماري بين البلدين.
أكد رئيس التمثيل التجاري المصري أن هذا اللقاء يجسد عمق العلاقات التاريخية والأخوية بين البلدين، ويعكس الإرادة المشتركة لقيادتي البلدين في الارتقاء بعلاقات التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري إلى آفاق أرحب وأكثر تكاملًا. وأوضح أن البرنامج التدريبي يأتي ترجمةً عملية لمذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين، والتي تمثل نقلة نوعية في مسيرة التعاون المؤسسي بين الجهازين، حيث تهدف إلى تبادل الخبرات الفنية وبناء القدرات المؤسسية وتعزيز الشراكة في مجالات ترويج الصادرات وجذب الاستثمارات وتطوير منظومة التمثيل التجاري الخارجي.
يتضمن البرنامج التدريبي للملاحق التجاريين العُمانيين، محاضرات وورش عمل يقدمها نخبة من الوزراء المفوضين التجاريين المصريين، تغطي مختلف الجوانب المؤسسية والفنية والتطبيقية المتعلقة بعمل التمثيل التجاري، وتشمل كذلك زيارات ميدانية إلى الهيئة العامة لقناة السويس والهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة وجلسة تعريفية بالمجالس التصديرية، لإتاحة الفرصة للوفد العُماني للاطلاع المباشر على التجربة المصرية في إدارة منظومة دعم الصادرات والاستثمار وربطها بمؤسسات الدولة والقطاع الخاص.
وأشار رئيس التمثيل التجاري المصري، إلى أن العلاقات الاقتصادية بين مصر وسلطنة عُمان شهدت خلال السنوات الأخيرة زخمًا متزايدًا وتطورًا ملموسًا، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 1.3 مليار دولار أمريكي، موضحًا أن هذا الرقم يعكس متانة العلاقات الثنائية لكنه لا يزال دون مستوى الطموحات المشتركة، مؤكدًا تطلع الجانبين إلى مضاعفة حجم التبادل التجاري خلال المرحلة المقبلة عبر تعزيز الشراكات الاستثمارية وتوسيع قاعدة الصادرات المتبادلة.
وأشاد رئيس جهاز التمثيل التجاري المصري بجهود وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار العُمانية في تطوير منظومة التمثيل التجاري الخارجي للسلطنة بما يتسق مع رؤية عُمان 2040 التي تضع ضمن أولوياتها تنويع مصادر الدخل وتعزيز الانفتاح الاقتصادي وبناء القدرات المؤسسية الداعمة لجذب الاستثمارات الأجنبية.
ومن جانبه، أكد الوزير المفوض خليفة بن راشد الشامسي، نائب رئيس البعثة بسفارة سلطنة عُمان بالقاهرة، أن هذا البرنامج يعكس عمق العلاقات التاريخية التي تربط البلدين الشقيقين عُمان ومصر، ويُجسّد حرص القيادة في البلدين على الارتقاء بالتعاون الاقتصادي والاستثماري إلى مستويات أكثر شمولًا.
وأوضح الشامسي أن هذا البرنامج يُمثل خطوة عملية مهمة نحو بناء شراكة مؤسسية متكاملة بين وزارتي التجارة في البلدين، مشيرًا إلى أن الجانب العُماني حريص على الاستفادة من التجربة المصرية الرائدة في مجال التمثيل التجاري والترويج الخارجي للصادرات، لما تمتلكه مصر من خبرات متميزة وكوادر متخصصة.
وأضاف أن مثل هذه البرامج التدريبية تُسهم في تبادل المعرفة والخبرات وتعزيز التكامل بين المؤسسات الحكومية في البلدين، بما ينعكس إيجابًا على حجم التبادل التجاري والاستثماري بين سلطنة عُمان ومصر، مؤكّدًا تطلع السفارة والوزارة العُمانية إلى مواصلة هذا التعاون البنّاء في المجالات كافة.
كما بذلت وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، جهود جبارة في إطار مساعيها المستمرة لتحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040، وفي إطار التحول نحو الحكومة الرقمية، أطلقت منصة "استثمر بسهولة" التي تطورت لاحقًا إلى منصة "عُمان للأعمال"، لتصبح بوابة موحدة لتأسيس الشركات والحصول على التراخيص إلكترونيًّا في خطوات مبسطة، وسجّلت المنصة أكثر من مليوني معاملة إلكترونية حتى الربع الثالث من عام 2025 منها أكثر من 822 ألف ترخيص تجاري، ما جعل سلطنة عُمان نموذجًا ناجحًا في تبسيط الإجراءات وتسريع الخدمات.
وعلى صعيد البنية الأساسية، استثمرت سلطنة عُمان في إنشاء وتطوير المناطق الاقتصادية والمناطق الحرة، التي تقدّم حوافز استثنائية تشمل إعفاءات ضريبية تصل إلى 10 سنوات، وإعفاءً من الرسوم الجمركية، وسهولة تملك الأراضي الصناعية والتجارية، لتشكل منظومة متكاملة تدعم موقع سلطنة عُمان كمركز لوجستي إقليمي وعالمي.
وفي مجال الخدمات والبنية الرقمية، عززت سلطنة عُمان جاهزيتها التقنية عبر نشر شبكات الجيل الخامس وتوسيع استخدام الأنظمة الذكية في المرافق والخدمات، ما أسهم في تحسين ترتيب سلطنة عُمان في مؤشر الحصول على الكهرباء إلى المركز الـ35 عالميًّا إضافة إلى ذلك استقرارها السياسي والأمني، وسياستها الخارجية المتزنة، ما يوفّر بيئة استثمارية آمنة ومستقرة تحظى بتقدير المستثمرين الدوليين.
كما طوّرت الحكومة المنظومة العقارية والتخطيطية بشكل ملحوظ؛ إذ سهّلت وزارة الإسكان والتخطيط العمراني إجراءات تسجيل الملكية وخفّضت رسوم نقل العقارات من 5 بالمائة إلى 3 بالمائة، ما جعل سلطنة عُمان في المرتبة الـ52 عالميًّا في مؤشر تسجيل الملكية، كما أُتيح للأجانب تملك العقارات في مشروعات التطوير السياحي بنظام الانتفاع حتى 99 عامًا، ما أسهم في تنشيط السوق العقارية وجذب الاستثمارات الخليجية والدولية، وقد ساعدت هذه التحولات الرقمية في رفع كفاءة الأداء المؤسسي وتقليص فترات إصدار الموافقات من عدة أشهر إلى أقل من شهر واحد.
وأنشأت الحكومة مركز "استثمر في عُمان" ليكون نافذة موحّدة لتسهيل المتابعة للمستثمرين وتوفير "مدير حساب" لكل مشروع استثماري، إلى جانب إعداد خارطة استثمارية وطنية توضح الفرص المتاحة واشتراطات كل قطاع بدقة وشفافية. وتتميز التجربة العُمانية بقدرتها على المواءمة بين التحديث التشريعي والاستقرار المؤسسي، مع التركيز على جودة الخدمات، وتكامل البنى الأساسية، والتحول الرقمي الشامل، بما يجعل سلطنة عُمان بيئة استثمارية جاذبة في المنطقة، ومع استمرار تنفيذ برامج التنويع الاقتصادي في قطاعات الطاقة المتجددة، والصناعات التحويلية، والسياحة، والاقتصاد المعرفي، تتجه سلطنة عُمان بثبات نحو ترسيخ مكانتها كوجهة استثمارية مستدامة، وركيزة أساسية في منظومة الاقتصاد الإقليمي والعالمي.

