قبيل العاشرة صباح السبت الماضى كانت سيارات المسئولين الحاليين منهم والسابقين تدخل تباعا للحرم الجامعى، فكانت فرصة نادرة ومنذ سنوات أن أتقابل مع هذا الحشد الأكاديمى والوزارى وفرصة طيبة أن نتبادل السلام والتحية والكلمات، وجلسنا كلُّ فى مقعده -أنا من مقاعد المتفرج الصحفى -فى مقابل المنصة.
وبعد عزف السلام الجمهورى بدأت الجلسة الأولى الوزارية، ولم أدوّن الكثير لأنى أعرف أنها سوف تصلنى، مما أعطانى فرصة للتأمل فى رحاب فلسفة المكان والمناسبة وهى الذكاء الاصطناعى.
حملت مداخلة د. هالة السعيد، وهى التى أدارت الجلسة الحوارية الأولى للوزراء، وتضمنت كلمتها بعدا هاما وإنسانيا، وهو البعد التاريخى لفكرة وبداية الذكاء الاصطناعى، وتناولت الفرص والتحديات التى تواجه الذكاء الاصطناعى وتقنياته، ورحلته الممتدة لعقود، وانتشارها خلال الفترة الأخيرة، مؤكدًة أن هذه القفزة عكست قدرة الذكاء الاصطناعى والتحديات التى تصحب الاستخدام، مضيفًة أن مصر قطعت شوطا كبيرا فى ملف الذكاء الاصطناعى بداية من تكوين المجلس الوطنى وإطلاق الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعى، لافتًة إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعى فى التنمية المستدامة على المستوى العالمى.
وتحدث د. خالد عبد الغفار نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة حول مفهوم التنمية البشرية فى علاقتها بالذكاء الاصطناعى موضحا، أن تعريف التنمية البشرية والتى من بينها تحسين حياة الأفراد من خلال التعليم، والصحة، وتوفير حياة كريمة، وتوسيع الخيارات أمام المواطنين لامتلاك المعرفة والتى تُعد جزءًا أساسيًا من التنمية الاقتصادية، مشيرًا إلى انطلاق الذكاء الاصطناعى منذ عقود، لافتًا إلى التطور الذى شهدته الأنظمة الإلكترونية؛ لتكون لديها قدرة للتعامل مع التطور الهائل فى تقنيات الذكاء الاصطناعى، مضيفًا أن الذكاء الاصطناعى يعمل بشكل متوازٍ فى كافة مناحى الحياة، ولابد من التعامل معه كبنية تحتية لرأس المال البشرى لتحقيق التنمية البشرية.
وأضاف فى كلمته المعدة جيدا تعرض نحو مليار نسمة بالعالم لمشاكل فى حالة عدم تطوير مهاراتهم فى استخدام الذكاء الاصطناعى، وما يترتب عليه من خسارة على مستوى العالم، ومؤكدًا أن الذكاء الاصطناعى لا يستبدل الإنسان، ويجب أن يكون الإنسان جزءا أساسيا من استخدامات تقنيات الذكاء الاصطناعى، مشيرًا إلى أن الوزارة تمتلك قاعدة بيانات ضخمة، وأن تحليل البيانات للأمراض باستخدام الذكاء الاصطناعى يساعد فى تحديد الأسباب والعوامل المشتركة والتى يصعب العمل عليها بشكل بشري.
وأكد د. محمد أيمن عاشور وزير التعليم العالى والبحث العلمي، أن الذكاء الاصطناعى يمثل داعمًا للإنسان والطالب، ولكنه لا يمثل بديلاً عن الأستاذ الجامعى، وأن الذكاء الاصطناعى أصبح متواجدا داخل مختلف التخصصات، والمجلس الأعلى للجامعات الآن يضع الضوابط لاستخدام الذكاء الاصطناعى داخل منظومة التعليم العالى، موضحًا أن الابتكار يعد أحد الأهداف الرئيسية فى الدليل الاسترشادى للبرامج التعليمية ليتعلم الطالب كيفية الابتكار، وكذلك الجوانب الأخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعى، وأن المبادرة الرئاسية تحالف وتنمية وما يتفرع منها من تأهيل مليون مبتكر ومبدع، ووجود أكثر من 45 مركز تأهيل لكافة التخصصات العلمية والتعليمية داخل الجامعات.
وعن الاتصالات وهى عصب التطوير، قال د. عمرو طلعت وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، إن البنية التحتية المعلوماتية تنقسم لقسمين؛ يتمثل القسم الأول منها فى إتاحة بنية ومنظومة رقمية فاعلة تُمكن المواطن من التعامل بسلاسة وسرعة مع مختلف موضوعات الذكاء الاصطناعى، وأن مصر هى الأسرع بإفريقيا فى خدمات الإنترنت، وبلغ حجم استثماراتها نحو 3.3 مليار دولار خلال السنوات السبع الماضية، لافتًا إلى أن الذكاء الاصطناعى هو علم قائم منذ الخمسينيات، وأن النسخة الثانية من استراتيجية الذكاء الاصطناعى تتمحور أولوياتها فى تطوير البنية التحتية، ومؤكدًا ضرورة حماية البيانات وخصوصية أصحابها، وأن مصر لديها مصفوفات من البيانات.
وتحدث د. محمد سامى عبد الصادق رئيس جامعة القاهرة، عن أهمية المؤتمر لأنه يربط بين الأوساط الأكاديمية والقطاع الصناعي، انطلاقًا من أن الجامعة لا تكتمل رسالتها إلا حين تترجم العلم إلى تطبيق، والبحث إلى أثر، والمعرفة إلى قيمة اقتصادية وإلى دور شركة جامعة القاهرة لإدارة واستثمار الأصول المعنوية والتى تم إنشاؤها فى يناير الماضى كأول شركة فى تاريخ الجامعة؛ لتكون منصة مؤسسية تتبنى الأفكار الإبداعية، وحماية حقوق الملكية الفكرية للباحثين والطلاب، وتحويل نتائج الأبحاث والابتكارات إلى مشروعات إنتاجية تساهم فى دعم الاقتصاد الوطنى وتعزيز تنافسية الدولة فى مجالات الابتكار والتكنولوجيا، مؤكدًا عزم الجامعة على أن تبقى دائمًا فى مقدمة الجامعات التى تقود التحول نحو المستقبل، وتعمل على توجيه هذا العلم توجيهًا إنسانيًا رشيدًا.
واستمرت أعمال المؤتمر، وكان اليوم الثانى مخصصا لمناقشة قضايا العلوم الإنسانية والاجتماعية فى علاقتها بالذكاء الاصطناعى، وهى قضايا بالغة الأهمية مثل المرأة والتعليم والبحث العلمى.
كنت أتمنى أن أتحاور مع الطلاب أنفسهم للحديث عنه وتصوراتهم للتعليم بالذكاء الاصطناعى، وعن الإعلام ودوره فى ذلك الموضوع وربما أنقله لاحقا فى مقالات أخرى.
ولكن ظل سؤال ملح فى ذهنى عن مكانة الرياضيات فى تعليمنا، وعن ضرورة وجود قانون لاستخدامات الذكاء الاصطناعى وتطبيقاته سواء فى البحث العلمى وضوابط الاقتباس به ونسبته ومصادره أو فى المجال العام، فنحن بالفعل فى حاجة إلى مثل هذا القانون الآن؛ لنحمى ليس الملكية الفكرية والخصوصية والأموال وإنما لحماية الأمن القومى والمستقبل.